على نحو خليطٍ من التّواريخ والأحداث؛ يقدّم العلاّمة الشّيخ أحمد العصفور (١٩٢٥-٢٠١٤م) نموذجا بحرينيّا عريقا في شأنِ الطّريقة التي تقدّمها الشّخصيّةُ الدّينيّة حين يتألّق – دهْرا من الزّمن- على المنبر الحسيني، بوصفه أعرقَ قنوات التّواصل الشّعبي المباشر داخل البيئات الدّينيّة، وعلى ضفافٍ غير منقطع من بناء العلاقاتِ العامّة، والإبقاءِ على نوافذ التّواصلِ مع عمومِ الجهاتِ والشّخصيّاتِ المحيطة. يستوي الشّيخ العصفور على أكثر من عرشٍ وأسبقيّة في مجال الاختصاص الدّيني، وفي المجال العموميّ في بلاده البحرين. انتسابه إلى واحدةٍ من أعرق العوائل العلميّة في البحرين (آل عصفور) وتسيّده في قلبِ هذه العائلة لعقودٍ طويلة؛ أضفى عليه رمزيّةً عابرةً لحدود الأنسابِ العائليّة ولوازم التّقاليد الدّينيّة. من اللافت أنّ جزءا من هذا المنجز؛ تمّ عبر تراكميّة بناها الشّيخ العصفور بعد اكتسابه شهرةً واسعة في مجال المراثي على منبر الإمام الحسين، وهي شهرةٌ امتدّت إلى دول الجوار، وفي كلّ الجهات، من الخليج والعراق وإيران ولبنان، ودول أخرى. في هذا الانتشار؛ قدّمَ نوعا فريدا من الانفتاح والاعتدال والتّسامح، وعلى النّحو الذي يرمزُ إليه أنّ أوّل ارتقاءٍ له للمنبر كان في مدينة المحرّق، العام ١٩٤٤م، بما تمثله هذه المدينة من ملتقى وطنيّ لكلّ أبناء البحرين، بمختلف مكوّناتهم واتّجاهاتهم.

   ارتبطَ “عميد المنبر الحسيني في البحرين“، بالمؤسّساتِ الدّينيّةِ في البلاد، فكان – منذ منتصف الخمسينيات من القرن العشرين – أحد أعمدة مؤسّسة القضاء الشّرعي والمحاكم الجعفريّة، وكانت له اليد الطّولى في افتتاح المساجد والمآتم والحوزات الدّينيّة، والمشاركة في إحياء الاحتفالات الدّينيّة، على امتداد المناطق في البلاد، وهو حضورٌ امتدّ إلى خارج البحرين أيضا. حافظ الشّيخ العصفور على الإيجابيّة والانفتاح وهو يسعى في بناء الهويّة الدّينيّة داخل وطنه، فلم يكن مغموسا بنوازع الانغلاق داخل الجماعة الدّينيّة، وحرَصَ على سياسة التّواصل على الجميع، متكئا على ذلك من أجل تسهيلِ الجهود والمجهودات التي برزَ بها على صعيدِ رعايةِ الجماعة الدّينيّة وفي إطار الانتماء الوطنيّ الجامع. يُفصح عن جانب من ذلك، أنّ الشّيخ العصفور ارتبط بعلاقات وثيقة مع الأسرة الحاكمة وفي الوقت نفسه كان له احتفاؤه الخاص بكبار العلماء البلاد، ويذكر هو بالخصوص كلّا من الشّيخ عيسى قاسم، والمرحوم الشّيخ سليمان المدني، والسّيد عبدالله الغريفي.

      هذه الثلاثيّة العلمائيّة تمثّل البانوراما الأساسيّة للحراك الدّيني في البلاد، ويُعدّ حضورها في وجدان الشّيخ العصفور خلاصة لطبيعة التوجّه الدّيني والوطني الذي حافظ عليه حتى آخر حياته. يختصر الشّيخ قاسم ذلك باستحضار الخصال الإنسانيّة التي طبعت شخصيّة العصفور، حيث يرثي الرّاحل في دفتر التّعازي باستحضار أهم ما تميّز به من “الأريحية“، “الابتسامة“، “التّواضع“، مضيفا “الموقع الاجتماعي الكبير“، و”الأنس في الجلوس معه والاستفادة من حديثه“. من هذه العناوين؛ كوّن الشّيخ العصفور حضوره الخاص بين مكوّنات المجتمع، وداخل الدّوائر الرئيسيّة التي تمثل مؤسّسة الحكم من جهة، ومؤسّسة العلماء من جهة أخرى. ارتكزَ هذا الإطار الخاص من العلاقات؛ على إيمانٍ راسخ من الشّيخ العصفور بضرورة التّصدّي لكلّ معوقاتِ بناء الوطن والإنسان، ومن ذلك تنديده بخطاب “التّحريض الطّائفي“، ودعوته لجميع العلماء والعوائل البحرينيّة، من السّنة والشّيعة، للاستناد على الحوار، والواجب الوطني، والاستقرار والسّلم الأهليّ، وهي عناوين حرصَ عليها الشّيخ العصفور حينما سجّل موقفه التّاريخي في مارس ٢٠١١م، عندما سجّل اعتراضه على تدهور الأوضاع وارتفاع وتيرة العنف آنذاك.

     رغم الموقع الثّمين الذي حظي به بين كبار المسؤولين؛ لم يبتعد الشّيخ العصفور عن المجال الإصلاحيّ، وما تتطلبه النّصيحة من مواقف داعمة للإصلاح وعمليات النّقد الموجّة لأي خطأ في السّياسة أو المواقف الرّسميّة. إلا أنّ ذلك لم يكن بعيدا عن العمل المتواصل من أجل خلق أجواء التّسامح، والعقلانيّة في المواقف، وترميم الأجواء المتوتّرة التي توالت على مقاطع من البلاد، في أكثر من فترة تاريخيّة، بفعل اختلاف المواقف أو تصادم اتجاهات الإصلاح، وكان دافع الشّيخ العصفور في ذلك هو طموحه في خلق إيمان لدى الجميع، من أنّ الوطن ينبغي أن يكون جامعا لكلّ أبنائه، وحاضنا لكلّ مكوّناته.