يتداخلُ الشّيخُ علي الهويدي ( ١٩٦٩- ٢٠٢٠م) بالفترةِ الانتقاليّةِ التي عبّرتْ عنها النتوءاتُ الحادّة، والتّضاريسُ الملتوية في أوائل الثّمانينات من القرن العشرين. في أوّلِ الأمر؛ لم يكن الشّابُ الذي اختارَ الدّراسة الدّينيّة في مدينة النّجف الأشرف بالعراق؛ يُدرك أن السّكن الجديد الذي انتقل إليه مع العائلة – منطقة إسكان عالي – يمكن أن يكون المجْرى، والمحور، والخلاصة في حياته التي اختار لها أن تبدأ من الأساسات، أي من تربية النشء، وتجميع الطّاقات المبعثرة، وإعادة بناء الحوض الاجتماعي والدّيني والخيري في منطقةٍ سكنيّةٍ حديثة اعتاد قاطنوها، لفترةٍ طويلةٍ، على الارتباط بمسقط رأسهم، والانتساب إليها ومزاولة النّشاط الاجتماعي والعام فيها. خاضَ الهويدي المعترك في كلّ الجهات: التّعليم الدّيني، التّشبيك بين الكوادر والكفاءات المتنوعة، تجاوز ثنائيّة القرية والسّكن الجديد، وثنائيّة القرية والإسكان، وزرْع بذور العمل المؤسّسي والخيري. كان راعيا لكلّ ذلك. كان راعيا في البداياتِ اليتيمة، وخلال فترات النّهوض المتعثّر، واستمرّ في ذلك إلى حين اكتمال النّمو، وانبلاج الزّرع الوفير. تبدو المهمّة غير يسيرة، ولكن الهويدي أصرّ على المضيّ، والعمل بلا ملل أو كلل، وباجتهاداتٍ متكرّرة. لم يضمن، دوما، تحقيقَ النّتائج السّارة في كلّ الأوقات، أو الخلوّ المطلق من الأخطاء، وخصوصا حين تشتدّ الصّعابُ أو تقلّ الإمكاناتُ وتنذر الخبرات، ولكنّ الإنجاز العظيم الذي ناله الهويدي هو أنّه يكاد يكون من الشّخصيّات النّادرة، في جيله، ممّن رأى – قبل رحيله – ثمرةَ عمله الدّؤوب، وحصدَ الزّرعَ الذي سقاه ورعاه بدأْبٍ وطوْل أناة.

ارتبطَ الهويدي بتربيةِ الفتيان: رعايتهم وتحفيزهم، وتقوية عناصر القوّة لديهم، وتعزيز الثقة بأنفسهم، ودفعهم إلى أفضل الخيارات التي تصنع حياتهم وتفتح الآفاق أمامهم. أدركَ بأنّ المستقبلَ الذي نخطّطُ له يتوقّفُ على هؤلاء الذي نسعى لبنائهم وتربيتهم وإعدادهم، روحيّا ودينيّا واجتماعيّا، ليقوموا فيما بعد بحمل الأمانةِ، والإسهام في البناء والتّطوير. كان الأمرُ يأخذه، في كثيرٍ من الأحيان، إلى أن يقضي يومه، الطّويلَ، في حلقاتِ التّعليم الدّيني بالمسجد، وبين مجموعات الشّبابِ في مجلسه المليء بالبواكير الأولى وقصص البداياتِ الثريّة، ومتجوّلا بين الفرجانِ والمنازل، بين الكبار والصّغار، ومن مختلف الطّبقات الاجتماعيّة. حرصَ على أن يجد في طلاّبه التميّزَ في المدرسةِ، وفي التّحصيل الجامعي، وكان يتفاخر بهم في العلن، من غير أن يُلزمهم بالإتّباع المشدّد، أو الخضوع للّوائح التي يحدّدها في إطار الجماعة الواحدة. السّعادةُ القصوى لديه أن يجد في طلاّبه التقدّمَ، والنّبوغَ، ونيْلَ أعلى النّتائج والدّرجات. يفلتُ منه بعضهم، ولكنّه لم يكن ليُغلقَ الأبوابَ على أحدٍ، وكان شديدَ الحفاوةِ بمنْ يقرّر العودة، ورافضا لأيّ استبدادٍ أو تسقيطٍ أو تسفيهٍ أو محاربةٍ لمن يريد أن يختار طريقه الخاص واختلافَه في الاجتهادِ الفكري أو السّياسي.

استقطبَ الشّبابَ من كلّ الألوان والأصول الاجتماعيّة والمناطقيّة، فكان “شيخ الشّباب” بلا منازع. أضفى أمكنة جديدة في حياتهم الجديدة: المسجد، المأتم، المجلس التربوي، الجلسات الثقافيّة، الصّندوق الخيريّ. خلال ذلك، أنتج الشّيخ الهويدي تشكيلات جديدة من الشّبان، سرعان ما تفوّقوا على الفوارقالاجتماعيّة، وصهروا التنوّع في الأصول الطّبقيّة، أو الفوارق العمريّة، أو الاختلافات الذهنيّة والثقافيّة. لم يفعل ذلك عبر آليّات أكاديميّة جافّة، أو بتفعيل مدارس في الاندماج والتقارب، بل فعلَ ذلك من خلال المبادرات المباشرة، وبتحريك الخصال الشخصيّة. أثبت ذلك قوّة الممارسة الفرديّة، أو المبادرة الشّخصيّة، في تحقيق مفاعل مؤثرة في جيل بأكمله. لا يتطلّب ذلك أكثر من تفعيل أقصى درجاتِ المحبّة للجميع، والمبادرة للخير العام، وإظهار مشاعر الاحتواء الإيجابي. فعل الشّيخ الهويدي ذلك بأسلوبه السّلس الجذّاب الذي يخرج من القلبِ، ولا يُضيع الطّريقَ نحو قلوب الآخرين.

تسلّل المرضُ إلى الشّيخ الهويدي، منذ معاناته في الاعتقال في فترة التّسعينيات، ولكن المرضَ لم يكن قادرا على إضعاف إرادةِ الذي قرّرَ أن يتطوّع في خدمةِ النّاس، وبأعلى ما يملك من طاقةٍ وحياة. رغم فداحة المرض الذي أدى لفقدانه البصر؛ إلا أنّ الهويدي واصلَ نشاطه العام، ودوره في الإرشاد الدّيني، وفي استقبال النّاس، وكان قراره أن لا يتوّقف عن ذلك حتّى الرّمق الأخير. الكادحُ الذي عرفَ كلّ أصنافِ الصّعاب والضغوط؛ كان قادرا على تخطّي التّحديّ تلو الآخر، فعلَ ذلك مرّة بعد أخرى، مصداقا للرّجلِ الذي جاء “من أقصى المدينة يسعى“، وحتّى ملاقاة الله، راضيا مرضيّا.