شدّد الشّيخ ميثم السّلمان، رئيس مركز البحرين للحوار والتّسامح، على مبادئ اللا عنف التي أرساها المناضل نيلسون مانديلا، وأشار في ندوة نظّمها مركز البحرين لحقوق الإنسان يوم الاثنين، ١٩ يوليو ٢٠٢١م، إلى دروس مستفادة من التّجربة التي عُرف بها مانديلا، وذلك في ذكرى اليوم الدّولي لنيلسون مانديلا، الذي يُصادف في ١٨ يوليو من كلّ عام، وشارك في الندوة رئيسة مركز البحرين لحقوق الإنسان، نضال السّلمان، والناشطة النسائيّة والحقوقيّة زينب الدرازي، وفانيسا باسيل رئيس منظمة إعادة للسّلام، والنّاشط والإعلامي فادي القاضي. وأدارت النّدوة أسماء درويش، مسؤولة المناصرة في مركز البحرين.

ووجّه الشّيخ السّلمان خلال النّدوة رسالةً إلى الشّيخ علي سلمان، أمين عام جمعية الوفاق، مذكّرا بأن الشّيخ علي سلمان زار جنوب إفريقيا وذهب إلى سجن مانديلا، والتقى ببعض أفراد عائلة مانديلا. وأكّد بأن الشّيخ علي سلمان، وكذلك بقية المعتقلين مثل الأستاذ عبدالوهاب حسين والأستاذ حسن مشيمع والحقوقي عبدالهادي الخواجة؛ كانوا يتطلّعون ولازالوا إلى المواطنة المتساوية، كما كانوا ولا يزالون يرفضون كلّ أشكال العنف، ويعملون من أجل المصالحة التي ترضي الجميع.

الدّرس الأول: اللا عنف

وخلال الندوة، استعرض الشّيخ السّلمان ستة دروس من تجربة مانديلا، والدرس الأوّل هو أنّ القادة الذين يتميّزون بالاعتدال حينما يتعرَّضون للحصار والتّضييق؛ فإنّهم قد يضطرون للّجوء إلى التشدّد وربّما العنف. وهو ما حصل مع مانديلا الذي كان مع حزب المؤتمر الإفريفي من المؤمنين باللا عنف، ولكن مانديلا بعد سنوات الكفاح السّلمي أعلن اللجوء إلى العنف، وهو ما تسبّب في عزله من المؤتمر، ومقاطعته من بعض أصدقائه وبعض أفراد عائلته، إلا أنّ مانديلا تراجع بعد سنوات عن خيار العنف، وامتلك الشّجاعة لكي يقرّ بخطأ هذا الخيار، وعزْمه على تصحيح ذلك، وهو ما أهّله لأن يتولى دورا مهما داخل السجن لتهيئة الحوار والمصالحة.

وقال الشّيخ السّلمان بأنّ “هذا التحوّل ينبغي أن يُقرأ بتمعن، حيث أدرك مانديلا بأنّ اللا عنف هو الوسيلة المُجدية التي يمكن من خلالها بلوغ الأهداف“.

الدّرس الثّاني: لجنة الحقيقة والمصالحة

أما الدرس الثاني فيتعلق بلجنة الحقيقة والمصالحة، التي اعتبرها الشّيخ السّلمان “مدرسة في إنصاف الضّحايا“، وأشار إلى دور القادة الدّينيين في أداء هذا الدّور الإيجابي، سواء في جنوب إفريقيا أم في غيرها، من خلال تقريب وجهات النظر، وتبيان المواقف الرّوحيّة التي تعزّز فرص نجاح المصالحة، وقد ترأس القس توتو لجنة الحقيقة والمصالحة، وقدّمت دورا مؤثرا في تقديم المتورّطين بالانتهاكات وهم يعتذرون للضّحايا، وجرى العفو عن المئات منهم، وتعويض أكثر من ٢٢ ألف من الضحايا.

الدّرس الثّالث: العفو

وتوقف الشّيخ السّلمان عند الدرس الثّالث، والذي يتعلق بالعفو والتسامح، حيث أوضح بأنّ مانديلا نفسه كان من ضحايا التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة، ولكنه عفا عن جلاّديه، ودعا الجميع للعفو عن الجهات التي تسبّبت بالأذى لهم.

وقال السّلمان بأن “تجارب المصالحة لا يمكن أن تنجح من غير ثقافة التّسامح والتّجاوز عن الآلام، وتضميد الجراحات بصورة ذكيّة لا تعكس الانقسامات“.

الدّرس الرابع: الحق السّياسي

وأشار السّلمان إلى درس رابع جوهري، وهو ارتكاز المصالحة في جنوب إفريقيا على الحقوق السّياسيّة، حيث كان يؤكد مانديلا المساواة في الحقوق السياسيّة باعتبارها الضمانة التي تحفظ الحقوق الأخرى.

وقال السّمان بأنه “لا يمكن للمجتمع الأهلي أن يكون ناهضا إلا في بيئة ديمقراطيّة، تحترم حقوق الإنسان. وهذه البيئة لا يمكن أن تُصان إلا بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة، التي تحفظ بقية الحقوق الاقتصاديّة والثقافيّة وغيرها“. وأشار إلى سلامة الدّعوة التي تؤكّد على “الحق السّياسي أولا، باعتبار ذلك الطّريق للوصول إلى المواطنة المتساوية“.

الدّرس الخامس: بناء الثّقة

وتطرق السّلمان إلى بناء الثقة باعتبار ذلك من الدّروس التي قدّمتها تجربة مانديلا، حيث اجتهد في ذلك، وبوسائله الخاصة. وأوضح بأن مانديلا “لم يتبع مناهج علميّة في ذلك، ولكنه كان يرسل رسائل إيجابيّة من القلب إلى الطّرف الآخر“، مشيرا إلى حواراته مع المسؤولين داخل السجن وبعده، وتأكيده على تطلّعه إلى وطن للجميع، وأنّ التّعدي على البيض هو تعدّ عليه شخصيا. كما أشار إلى أن مانديلا أثناء التفاوص وخلال الانتخابات في العام ١٩٩٣، كان يريد للرئيس في حقبة الفصل العنصري أن يكون نائبا له، وأن يبقى في قصره، ويختار هو مكانا آخر، وذلك لكي لا يزعجه أو يثير الأحاسيس لديه ولعائلته. وهذا الأمر، كما قال السّلمان، “كان يبعث الطمأنينة لأطراف الأزمة، ويؤكد بأنه لم يكن يعاني من الأنانيّة أو يتحرّك من منطلقات ذاتية“.

الدّرس السّادس: جلوس الجميع على الطّاولة

أما الدّرس الأخير، فيقول الشّيخ السّلمان بأنّ مانديلا كان يصرّ على أن يتواجد كلّ أصحاب الاتجاهات على طاولة الحوار، بما في ذلك الذين يحملون مواقف متشدّدة، وذلك لكي يقدّم الجميع رؤيته حول المستقبل المشترك، وهذا الأمر يتطلّب السّماح بمشاركة الجميع في الحوار، ولاسيما الذين يملكون تأثيرا ونفوذا، ولو كانوا من أصحاب المواقف المتشدّدة.