الميزةُ التي تظلّ محلّ اتفاقٍ حول الشّيخ عيسى بن راشد آل خليفة (١٩٣٨– ٢٠٢٠) هي: “خفّة الظّل“. تبدو هذه الصّفة سهلة أو عاديّة، وقد ينظرُ إليها البعضُ على أنّها تركيبة تلقائيّة في المرء، وأنها – بالتّالي – ليس ممّا يمكن أن تكون جزءا من الفخر، أو سببا للاحتفاء. ربّما يكون الأمرُ كذلك، ولكن – من زاويةٍ ما – ولأنّ هذه الميزة هي عنوانٌ على التلقائيّة، وأنّها ليست ممّا اعتاد النّاسُ على التفاخرِ والتحلّي بها؛ فإنّ اتّصافَ المرء بها ليس ميسورا على نطاقٍ واسع، ومن العَسير أن يشهدَ على انطباقِها في شخصٍ ما؛ جمعٌ كبيرٌ من النّاس، فكيف إذا شهِد بها أناسٌ من انتماءاتٍ شتّى ومن أجيالٍ مختلفة؟! إنّ “خفة الظّل” في شخصيّةِ عيسى بن راشد؛ ليست صفة مُفرَدة أو جملة اعتراضيّة، وليست مجرّد تكتيكٍ في بناءِ العلاقات الاجتماعيّة العابرة. هذه الصّفة، فيه، هي إشعارٌ بطيْبِ القلبِ، وحُسْن السّريرة، والتحرُّر من لُبوس التّعالي. هذه الخصلة انعكاسٌ لاتّحادِ مجموعٍ من الخصال التي تنتمي إلى حقل “التّواضع“، “البساطة“، “العفويّة“، والأنس بالآخرين ومحبتهم. وعلامةُ ذلك أنّ الابتسامة لا تغيبُ عن إطلالاته، باختلافِ المراحل والأماكن، وحيث تعدّدَ حضورُه في المواقع التي شغلها. كان يُرسِلُ الفكاهة في كلّ المواسم، وعلى رؤوسِ الأشهاد. إنّ تلطيفَ الأجواء، داخل الأضواء وخارجها؛ فعلٌ حيويّ، ليس له موعد محدّد أو متطلّبات مسبَقة.

في السّتينات؛ التحقَ الشّيخُ راشد بكليّة الحقوق بالقاهرة. تخرّج في العام ١٩٦٣م. هذا السّياق الزّمني طبعَ على شخصيته ملامح ظلّت ثاوية في الأعماق، وحتّى الجذور. كانت القاهرة، يومها، إشعاعا فنيّا وثقافيّا، وأكثر من ذلك. كانت مكانا جوهريّا. والأماكنُ التي تحملُ لونَ “الجوهر”؛ ليس بوسْع أحدٍ أن يمرّ عليها، أو يعُبر منها؛ من غير أن يتزوّد منها بقَبَسٍ، أو رُوْحٍ، أو بضع فنونٍ في الحياة. أخذ الشّيخ راشد أمورا كثيرة من القاهرة، تجلّى بعضها في الرّياضة، والآخر في القصيدة الشعبيّة المُغنّاة. تجلّت تلك أيضا من مكانٍ آخر أثير على الرّاحل، وهو المحرّق، حيث وُلدَ وترعرع. وقد تشرّب من هذا المكان كلّ الأشياء التي يتعالى بها المرءُ على كبائر الصّغائر والعيوب، ويصعدُ منها بجناحيْن وطنييْن، ليكون “إنسانا مواطنا“، من غير إضافاتِ التّمايز والتّمييز. لم يكن هذا الأمر ورديّا على طول الوقت، ولكن الشّيخ راشد اجتهدَ على أن يكون كذلك، مستعينا بأمكنته المحفورة في ذاكرته، ومن ذلك المجاورة مع منطقة “الدّير“، حيث التحمَ بالمواطنين الشّيعة، منذ الصّغر، وتربّى بينهم، وقوّى من تلك السّنين المناعة الوطنيّة.

عشقَ الرّياضة، وكان رائدا وعميدا لها، في البحرين والخليج. هذا الميدانُ الذي أحبّه الشّيخُ راشد، وعاشَ من أجله، وليس القضاء أو الجيش. في الرّياضةِ تَسابقٌ وتبارٍ ومنافسة، ولكن ليس ثمّة حروب أو تخاصُم أو قتال. هذه هي الثقافة الرّياضيّة التي أحبّها الشّيخُ راشد، حتّى مماته، فكان محبوبَ البحرينيين، والخليجيين على حدّ سواء. ومن ذلك نعرف سرّه الأخير: فازَ الشّيخ راشد في أصعب السّباقات في العام ٢٠١١م، حينما تبارى المؤزّمون على حلباتِ الكراهية، وفي ساحاتِ الشّحن الطّائفي. لم تُغره الغنائمُ الجوفاء التي لوّح بها صائدو الأرواح والأعراض. نأى بنفسه عن مباراةٍ خاسرةٍ، لا محالة، مهما زوّرَ هذا الفريقُ أو ذاك النتيجةَ وخادعَ بها الجمهورَ الهائج. إنّ الرّوح التي تعْطِفُ، لا تعْصِف. إنّ القلبَ الذي يخفقَ بالفرح مع كلّ النّاس؛ هو قلبٌ لا يعرفُ البغضُ طريقا إليه.