نظمت مؤسّسة “أديان” في لبنان جلسات نقاشيّة حول المواطنة والتنوّع، أكّد المشاركون فيها على أن المنطقة العربيّة تعاني من عوائق عدّة في طريق تطبيق المواطنة الحاضنة للتنوّع، لاسيما على مستوى الحقوق الأساسيّة العامّة، بما في ذلك حريّة الدّين والمعتقد.

وقد جاءت هذه الفعاليّات في سياق إطلاق تقرير “المواطنة الحاضنة للتنوّع” الذي شاركت في إعداده مؤسّسة أديان ومؤسّسات أخرى.

وفي جلسة عقدها معهد المواطنة وإدارة التنوّع في مؤسسة “أديان”، بتاريخ ٧ يوليو ٢٠٢١م، أكد الباحث السّعودي جعفر الشّايب بأن هناك تفاوتا بين المستوى النظري، وبين الواقع العملي في الحياة الخارجيّة بالنسبة لموضوع المواطنة. وقال بأن المنطقة العربيّة “هي أبعد ما تكون” عن المبادئ المطلوبة للمواطنة الفعّالة، حيث إن هناك غيابا لفهم واضح للمواطنة، وابتعادا عن تطبيقاتها السّليمة.

وأوضح الشّايب بأن المواطنة لا تعني فقط وجود نظام دستوريّ وتشريعات قانونيّة، بل هي أيضا تعبير سلوكي وانعكاس للتشكُّل المجتمعي، وأوضح بأن المواطنة تعمل على تأطير هذا التنوّع في إطار التجانس، وهو ما يتطلب وجود مبادئ معينة، مثل التسامح، وتغييب خطاب الكراهية، وسدّ الفوارق بين الأكثرية والأقلية.

الشّايب: الولاء للنظام يتعارض مع المواطنة

وذكر الشّايب بأن الإشكاليّة الي تتعلق بالمواطنة في المنطقة العربيّة هو النظام السّياسي، الذي اعتبره نظاما طاردا لمبادئ المواطنة، لأنه يقوم على مركزيّة متوغلة، كما أوضح بأن النظام السّياسي العربي لا يزال يتعاطى مع الشّأن الوطني باعتباره محتكرا للسّلطة المركزيّة، ولذلك فإنها تستبعد المشاركة الشعبيّة والمجتمعيّة.

وقال الشّايب بأنّ تركيبة الأنظمة السّياسيّة العربيّة تتعامل مع واجبات المواطن أكثر من حقوقه، سواء على المستوى التّشريعي أم على مستوى الممارسات. وكذلك فإنها ترسّخ فكرة الولاء على أساس الانتماء للنّظام السّياسي، وهو ما يتعارض مع فكرة المواطنة.

وتناول الشّايب جملة من تداعيات هذه الإشكاليّة، حيث إنّ تمركز الهويّات الفرعيّة يساهم في التّشظي والمنافسة التي لا تقوم على أساس وطني. وقال إنّ المشكلة الثقافية تأخذ أبعادا أوسع عندما يتدخّل العامل الدّيني في إنماء هذه التّناقضات، وخاصة عندما يُنبذ الانتماء الوطني في مقابل الانتماء الدّيني، مع شرعنة ممارسات تفضيلية على أساس الانتماء الدّيني. كما تطرّق الشّايب إلى السّياق الثقافي والاجتماعي الذي ينحاز للهويّات الفرعيّة، ما شكّل حاجزا آخر في طريق بناء المواطنة الجامعة.

 الهندي: تحميل الدّولة هويّة معينة يعني إقصاء الآخرين

ومن جانبه، أوضح المدير التنفيذي في مؤسسة “أديان” إيلي الهندي؛ بأن هناك أكثر من مستوى في معالجة موضوع المواطنة في المنطقة العربيّة، ولاسيما في إطار الحديث عن التحديّات التي تواجه تفعيل هذه المواطنة.

وتوقف الهندي عند مستويات مختلفة من التحديّات، بما في ذلك المستوى الفردي، والحاجة للعمل على وعي الفرد بأهميّة الشّأن العام وارتباط الهويّة بالشّأن العام. وأوضح الهندي بأن هناك مقاربةً ينبغي أن تراعي الانسجام بين الهوية والدّخول في الشّأن العام، ومن غير فصْل أو انفصال عن الهويّة.

وبخصوص المجتمع المدني، يرى الهندي بأن المجتمعات المدنيّة العربيّة تحمل الهواجس ذاتها، وبدل أن تكون عامل إيجابيّا في موضوع المواطنة، فإنها لا تدرك بعد أهميّة الشّأن العام والهويّة. أما في الجانب التّربوي والمناهج، فأوضح بأن هناك تلقينا في التّربية والمناهج، وليس الاعتماد على العقل النقدي والمناقشة، وهو ما ينسحب على التربية الدّينيّة والمدنيّة.

وفي شأن الخطاب الدّيني، قال الهندي بأن الاعتدال والقبول بالآخر لم يصبح بعد المحور الأساسي، رغم وجود أصوات مختلفة، إلا أن خطابات التكفير ورفض التّواصل مع الآخر لازالت قائمة. ودعا الهندي إلى توحيد الجهود بين التّفسيرات الجديدة ومحاولة إدخال هذا المنحى في مجال التربية الدّينيّة بمختلف الأديان والطوائف.

وتوقف الهندي عند الهويّة في إطار الدّولة، وأشار إلى أن هناك توجّها لتحميل الدّولة هويّة معيّنة، وهو ما يعني إقصاء منْ لا ينتمي إلى هذه الهويّة، وهو ما يحتّم إعادة مقاربة مفهوم هويّة الدّولة، وأن تكون بلا هوية خاصّة، من خلال دستور عادل، والقانون المتساوي أمام الجميع، وكذلك بالنسبة للخطاب السّياسي الذي ينبغي أن ينأى عن الجذب القائم على الهويّات الخاصة.