عاد السّيد علي كمال الدّين الغريفي (١٩٠٧-١٩٧٤) إلى وطنه البحرين، وهو في سنّ الرّابعة عشر. تلك كانت العودةُ الأولى. عاشَ سنواته الأولى في مدينة النّجف العراقيّة، وقد نمى من هناك مشروعُه في أن يكون عالم دين مختلف، وعلى وقْع الآثار غير المحدودة لثورة العشرين، التي مثّلت تجربة استثنائيّة لعلماء الدّين، على صعيد مواجهة الاستعمار البريطانيّ. بمعزل عن حجم هذه الآثار، وطريقة التلقّي والتّداول لهذه التّجربة؛ إلا أنّ طبيعة هذ الحدث سيدخل في تشبيكات وعي الجيل الذي لامسَ هذا الحدثَ الكبير، ومن هؤلاء السيّد الغريفي الذي ينتمي إلى بيت هو الأشهر في “الملأ الشّيعي العلوي“، والذي أتمّ، أوّل الأربعينات، مراسمَ ارتداء عمامته في مجلس المرجع الأكبر السيد أبوالحسن الأصفهاني، وبحضور المرجع محسن الحكيم، وبعد أن لُفّت العمامة على ركبتي الأصفهاني.

من هذا الأفق، كان اعتقاده بخطر الاستعمار في بثّ الفرقة الطائفيّة وتهديد الوحدة الوطنيّة. هذا الاعتقاد تلاقى مع مناضلين انشغلوا بالوطن، وانتهى اللقاءُ بإعلان أوّل كيان سياسيّ وطني في البحرين (هيئة الاتحاد الوطني). سيكون من اللافت أنّ يأتي هذا التحوّل في العمل الوطني المشترك؛ في أعقاب مفترقٍ طائفي خطير واجه البحرينيين، ضمن ما عُرف بحادثة عاشوراء (١٩٥٣). أثار الاشتباكُ الذي حصلَ آنذاك، بين مواطنين سنة وشيعة، مخاوفَ لدى الجميع من مغبّة فتنةٍ طائفيّة بعد أن سقطت الدّماءُ وارتفعت أصواتُ الكراهية بين المواطنين. كان الجميعُ مستاء ومرتابا ممّا حصلَ، حيث الحالة الاستعماريّة في البلاد، والتي ترى في هذا التّوتر ترسيخا للسّيادة الإمبرياليّة، وعبر آليّات وأدوات محليّة.

في فترة الهيئة، قدّم السّيد زعامة سياسيّة محفوفة بمكانة دينيّة مرموقة. كانت تلك معادلة ثمينة في تاريخ البحرين السّياسي، ولاسيما مع الطبائع الخاصّة للسيّد، حيث ميله إلى الوسطيّة، الوحدة الوطنيّة والدينيّة، وتقدير التّعليم العصري. ولم يكن انفتاح عبدالرحمن الباكر على السّيد كمال الدين اعتباطا. لقد تأكّد للباكر بأنّ السيّد، وحده، صاحبُ القوْل الفصل بين أتباع الطّائفة الشيعيّة في البحرين. قدّم الباكر، في تجربة “الهيئة“، خلاصة عقله السّياسي الوقّاد، وكانت لديه القدرة الخلاّقة على إنتاج الخطاب السّياسي للهيئة. أما السيّد، فكان الذّراعَ الممتدة للهيئة، حيث كان له الفضل في توفير الشّعبيّة والتّقدير الاجتماعي للهيئة وقادتها. استمرّت هذه الحال إلى حين تكالبت المعاناة على القادة، حيث كان مصير السيّد النفي إلى النجف، ليُختم فصلٌ هذه الحكاية الاستثنائية.

كانت العودةُ الأخيرة للسيّد إلى البحرين على صلةٍ بالزّيارة التاريخية التي قام بها الأميرُ الراحل، الشّيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، إلى النجف، ولقائه بالمرجع الدّيني السيد محسن الحكيم. كانت البلاد على وشك الدّخول في منعطفٍ جديد، وبدت المرحلة السياسيّة التي تستعد لها البلاد وكأنها الباخرة التي ستقلّ الجميعَ إلى مرفأ الأحلام الوطنيّة: الاستقلال، الدستور، والمجلس التشريعي. لذلك، ومن وزن التوقّعات الكبيرة، كانت الأنظارُ تتّجه إلى عودة العمامة السّوداء إلى البحرين، على أنها عودة ظافرة لخيار سياسيّ وجدَ دفعة جديدة للانطلاق مع الأحداث التحوليّة بعد العام 1970. لكن، عودة السيّد كمال الدين إلى البحرين، هذه المرة، كانت مختلفة. لم يعد إلى الميدان السّياسي المباشر. ينبغي التريث كثيرا في الحديث عن عزلة أو اعتزال للشّأن السّياسي، كما اعتاد القول رواةُ هذه السّردية من حياة السيّد. ليس من المُتاح الجزم باعتزالٍ حقيقي، بما يعنيه من خروج كامل عن قضايا النّاس وهموم الواقع الخارجي، فهذا غير قريبٍ من العالم الذي كان يُحبّ أن يُلقّب بالسّيد الكاشاني، تيمنا بقائد الثورة الدّستوريّة في طهران.

يمكن القول بأنّ هناك مراجعة في الأداء وتغيير في المنهج، وليس في الرؤية القيميّة. كان السيّد معنيّا بتقديم محاولة انقاذية للوطن من شرّ الكراهية التي أجّجها التوترُ المذهبي في حادثة عاشوراء. ووجدَ بأنّ ذلك يمكن أن يتمّ، بشكل مباشر، من خلال المباشرة في العمل السّياسي، عبر تأسيس إطار سياسي وطني جامع. فاضَ جزءٌ من هذا الفهم من خلال وعي السّيّد المباشر لوقائع ثورة العشرين. إلا أنّ الأحداث التالية، والتّجربة التي جسّدتها مرجعيّة السيد الحكيم، ألقت بظلالها على السّيد كمال الدين، وفي أكثر من اتجاه. سيكون إثبات ذلك، أو المجادلة فيه، بحاجةٍ إلى أبحاثٍ ودراسات تُعني بتجربة السيّد كمال الدين، وسياقاتها المختلفة. وهي مهمّة بحثيّة من المتوقّع أن تقدّم عونا هاما في فهم العديد من الأحداث والمتغيرات والمواقف في هذه الفترة التاريخية الهامة.

أمّا المفاتيحُ الأخيرة للسّيد، فيمكن التقاط بعضها من النّصيحة التي أسداها إلى أحد أبنائه، بقوله: “يا ولدي… إذا أردت تعيش سعيداً، فلا تضع رأسك على الوسادة وفي قلبك ذرة حقد على أحد من الناس“. هذه مفاتيح القيم التي لا تتغير، بتغيّر أحوال السيّاسة والوقائع والمواقع. لذلك، كانت علاقات السيّد منفتحة على الجميع، من مختلف فئات المجتمع، ومن كل الطوائف، بما في ذلك المسيحيون والهندوس وغيرهم. أصرّ على الوحدة ونبذ التفرّق، ولم يتوان عن الصّلاة جماعة في المحرق، سنّة وشيعة، كما كان حريصا على التكافل الاجتماعي، وقضاء حاجات النّاس، واختيار الأماكن التي يجتمع فيها الجميعُ.