على امتداد تاريخ الصّراع، فإنّ البشريّة لن تجد فرصَ الخروج من هذه الدّائرة، المليئة بالحروب والدّمار وكلّ أشكال التّمييز والكراهية؛ إلا بالتّلاقي المباشر، وعلى مستوى الكبار. مع تجاوز بعض الحدود فيما يتعلّق بالتفاؤل والتشاؤم، وجدليّة الثقة والشّكّ؛ فإنّ زيارة البابا إلى العراق، ولقائه المرجع السّيد علي السيستانيّ؛ هو حدثٌ تاريخيّ بامتياز، وينبغي أن يتمّ التّعاطي مع الزّيارة، وما جرى خلالها، باعتبارها كذلك، والبناء عليها وفقا لهذه الرّؤية. من غير المناسب أن يكون هناك تردّد في ذلك، وليس من مصلحةِ الخيرِين أن يتمّ تشغيل الحسابات الطارئة والضّيقة. دلالات الزّيارة لا تقف عند حدود العراق، ولا تخصّ المشكل الدّاخليّ في هذا البلد العريق، ولكن الموضوع يفوقُ هذه الحدود كلّها، ويصلُ إلى أكثر من سكّان هذا الكوكب، من المسلمين والمسيحيين.

لقاءُ البابا والسّيستاني هو لقاءُ قمّة، لا شكّ في ذلك، ولكنّه محاطٌ بوابلٍ من العقبات والذّاكرة المريرة. يتحرّك اللّقاءُ فوق أرضٍ امتلأت بالحروبِ والصّراع الدّمويّ. وحوله أجواءٌ موبوءة، لا تقلّ فتكا عن وباءِ كورونا، حيث التّحدّيات المعقّدة التي تواجهها ثقافة التّسامح والتّعدديّة واحترام التنوّع، هذه الثقافة التي تحاصرها نزعاتُ الإقصاء وجماعاتُ التّكفير وتبريراتُ الاستبداد بالرّأي والإدارة. رغم ذلك، وبسببِ ذلك؛ فإنّ اللّقاءَ وسط كلّ ذلك هو فعلٌ عظيم، وإسهامٌ صميميٌّ وخلاّق في نزْع الحواجز، وفي تخفيضِ لهيبِ الدّمار والكوارث.

كشفَ المرجعُ الأعلى، في حضرةِ الحبر الأعظم، مواجعَ “الظّلم والقهر والاضطهاد الدّيني والفكري“، ولوّح إلى مخاطر “كبت الحريّات الأساسيّة وغياب العدالة الاجتماعيّة“. ثبّت المرجعُ السيستانيّ الدّور المأمول للزّعامات الدّينيّة والروحيّة الكبرى، وما يُنتظر منها في “تثبيت قيم التآلف والتعايش السّلمي والتّضامن الإنساني“، وعلى قاعدة “رعاية الحقوق والاحترام المتبادل بين أتباع الأديان والاتجاهات الفكريّة“. من جانبه، كان البابا فرانسيس حريصا على إبداء الثناء لدور المرجعيّة في العراق لرفعها الصّوت “دفاعا عن الضّعفاء والمضطهدين“، وتبادلَ في دارة المرجع بالنّجف “أهمية التّعاون والصّداقة بين الجماعات الدّينيّة“، وظهر كلا الرّجلين منسجمين إلى أبعد الحدود وهما يُشدّدان على “الاحترام المتبادل والحوار“.

جلالُ البياضِ الذي أحاط بالعمامةِ السّوداء؛ أعادَ البشريّة إلى تلك اللّحظات النّادرة التي تجتمعُ فيها القاماتُ الكبرى على كلمةٍ سواء، وفي زمانِ المحن الكبرى. وكان جلوسُ القمّتين بجوار بعضهما البعض، إحالةً بليغة على أن البشرَ يمكنهم أن يُنجزوا حكاية أخرى على هذه الأرض، وأن يفلحوا في إشعال الأملِ داخل النّفوس المكدّرة بفعل الحروبِ والبغضاء. لا يتطلّب ذلك أكثر من لقاءٍ ودود، وكلمات صادقة، وتحدّ فعّال لأصوات الكراهية ومصادر الأزمات.

تلاقت الأيدي النّاعمة، وتبادلَت العيونُ نظرات الخيرِ والوداد. كان المشهدُ إشعارا للجميع بأنّ البطولة التي ينتظرها الجميعُ ليست أكثر من لقاءٍ في حضرة المحبّة والسّلام. اقتربا من بعضهما البعض، خلال خمس وأربعين دقيقة، وقرّبا معهما القلوبَ والأبصار. وهي قُربى حريٌّ بأن تنمو وتُزهر، وأنْ يحذو حذوهما كلّ المؤمنين، الصّادقين، الذين يعرفون أنّ للإنسان قداسةٌ وكرامة، وأنّ الحفاظ عليها وصيانتها هو خيارٌ وجوديٌّ، وخيرُه يعمُّ كلّ البشر، وفي كلّ العالم.