لم يكن يتوقّع أحدٌ أنّ التقاء الطّبيبيْن الاستشاريين، مناف القحطاني وجميلة السلمان، يمكن أن يتكرّر على “منصّةٍ واحدة”، وبهذا الحجم الذي يمثّله الفريقُ الوطني لمكافحةِ كورونا، الفريقُ الذي يدير حاليا الأزمة الأخطر على الجميع. قبل ذلك، التقى الاثنان على الصّعيد المهني، وفي أجواءٍ كان مُتاحا لها أن تطوِّر التّعاون المشترك. في يناير ٢٠١٧م، اجتمعا تحت سقف رابطةٍ جديدة منبثقة من جمعية الأطباء البحرينيّة، وهي رابطة “الأحياء الدقيقة الطبية والأمراض المعدية“، لتكون الرّابطة الأولى من نوعها في الجمعيّة. يمثّل هذا المقطع الزّمني مرحلة فارقة، بنحو من الأنحاء، وتشبه الفوارق التي كانت عليها الأمور خلال أحداث ٢٠١١م.

في تلك الأحداث كانت الدكتورة السّلمان من الكوادر الطّبيّة التي تعرفُ، تماما، طبيعة الموجة الصّعبة التي حلّت على زملائها آنذاك. بانوراما الدكتورة السّلمان تتقاطع، تشابها وتعارُفا، مع أفراد آخرين من عائلتها ممّن يزاولون النّشاط العام. من العائلة العريقة نفسها؛ أسماء أخرى اكتشفت مرارة السّجون، وإلحاقا بسيرةٍ غير يسيرةٍ من النّضال في تاريخ هذه العائلة، وهو نضالٌ ارتأت جميلة السّلمان أن تُضفي عليه سجلّا جديدا من العطاء، ومن زاويةِ الاختصاص في الطّب والتزّود بالعلمِ الحديث، رغم مرارة الغربةِ وأشياء أخرى، والتي تجرّعتها بصبرٍ جميلٍ، وبدعمٍ من أسرتها التي شاركت في صناعةِ أجمل الأشياء في جميلة.

لم يكن ظهور الدكتور مناف، على منصّة الفريق الوطنيّ؛ سوى تأكيدٍ على حداثةِ الظرف الرّاهن، وجدّيته. رغم فداحةِ الأزمة، ورغم ما مضى من زمنٍ مرير؛ يفضّل الطبيبُ العسكري هذه المرّة أن يُعيد توصيفَ الأشياء، أو إعادة تخليص هذه الأشياء من المناظير الخاطئة، والخلفيّات غير السويّة، التي ابتلى بها كثيرون. وهو يحرصُ أن يفعلَ ذلك، مرارا وتكرارا، وبما يُسهم في ترسيخ رونقٍ جديد على ظهوره الجديد، والذي يريده أن يكون علامةً على الأيام الجميلةِ التي ينتظروها البحرينيّون، رغم عُسْر التّحدّيات ورواسب الماضي. ليس في وُسْع القحطاني إلا أن يملأ الأسماعَ بما يُطمئن أنّ الخُطى ثابتة في مواجهة الفيروس اللّعين. لا يتم ذلك إلا بمجابهةِ الوجه الشّرير للفيروس، أي بإظهار أقصى الإنسانيّة، وإطلاق المدى الأكبر من الشّعور بالمسؤوليّة الوطنيّة.

عند هذا المدى؛ يتمّ التّلاقي الجديد بين القحطاني والسّلمان: الطبيبان الإنسانيّان الوطنيّان. الفيروس، مثل أيّ مرض، ليس له دينٌ أو مذهبٌ أو عرق، وحين يحلّ علينا فإنّه يُهدّد الجميع، وليس متاحا حينه إلا الرّجوع إلى قيم ومبادئ “المسؤولية الوطنية المشتركة“. لم يكن هذا الدّرس طارئا بسببِ الجائحة التي دخلت البحرين في فبراير ٢٠٢٠م، بل كان شيئا حاضرا لدى طبيبين اكتشفا – بعد تجارب لم تخلُ من الأوجاع والأخطاء – أنّ مواجهة الأمراض والأوجاع، على أنواعها، لا يجب أن يكون محكوما بنوع الانتماء الخاص، أو بمكان مزاولة المهنة البيضاء. في لحظةِ التقاء هذين النموذجين؛ اكتشفنا أن المسافة بين مستشفى السّلمانية والمستشفى العسكري؛ من الممكن أن تذوبَ بأسرع من المتوقع، مع توفّر قدر مناسبٍ من الكفاءة والشّجاعة، لتكون المسافة الجديدة هي المسافةُ التي تفصلُ بين الطبيبيْن وهما يجلسان على منصّةِ الفريق الذي يقدّم آخر مستجدات المعركة المشتركة ضد الفيروس.

ربّما، تمّ اختيار الاثنين لأنّ الأزمة تحتاجُ إلى فروسيّة حقيقيّة، وبوشاح أبيضَ كبير. هذه العناية والاتقانُ ستكونان في صالحِ صانع القرار. لقد ملأت كورونا الرّعبَ في كلّ مكان، وأصبح الخوفُ يسيطر على الكثيرين. في مثل هذه الأحوال، من غير الممكن الحصول على حقيقةٍ كاملةٍ حول هذا الشّيء المخيف الذي داهمَ الجميع، ولكن الأكيد أنّ الخوفَ والقلقَ هو حقيقة لا يمكن تجاهلها، وأنّ الخطرَ الناتج من آثار مشاعر جائحة، لن يقلّ عن الجائحة نفسها. لذلك، كانت المعركة تحتاج إلى أحصنةٍ بيضاء، ولكن بفرسان حقيقيين. بياضُ الطّب، مع فروسيّة الوطن. تلك المعادلة التي كان يُراد للفريق الوطني أن يقدّمها للبحرين، وهي تعبر أزمتها الصحيّة، وبثقلٍ من أزماتٍ أخرى. وتلك المعادلة هي ذاتها التي يشارك الجميع في بنائها، واختبارها، والمشاركة في حسابِ نتائجها وتقويم مسارها.