يصعبُ على كثيرين أن يرصدوا تلك اللّحظة المكثفة التي تتجمّعُ داخل عباءة الرّجل الذي تتعالى جبينُه – واتّصالا بعلوّ روحه – على كلّ الصّغائر. والصّغائرُ هنا هي كلّ الدنيا، صغيرُها وكبيرُها. ربّما يكون “التّواضع الورع” هو أكثر ما يرفع من مقام آية الله الشّيخ عيسى قاسم (مواليد البحرين ١٩٤١م). رفعةُ المقامِ هنا، وفي خصوصِ سيرةِ خرّيج النجف الأشرف؛ هو شبيهٌ بتلاقي الأضدادِ في المقام العُلويّ لأبي تراب. تعفّ النّفسُ، ولكنّها لا تغفو. تحضر كلّ الحواس، إلا أنّ الإحساس بها لا يكون إلا بمقدار ما تتطلّبه تأدية الفروض والطاعات. هدوءُ الجسدِ؛ هو استغراقٌ في هدأةِ الروح، وامتلاءٌ بسكينةٍ وطمأنينةٍ لا يخدشُ أنملة منها افتراسُ الوحوش. غير أنّ جَهْوَريّةً يمكن أن تخرجَ من حنجرةِ الدّراز؛ قد تكسر عقودا من الفساد.

ليس هنالك، في حياةِ أبي ساميّ، أيّ تراجعِ أو تباطؤ عمّا يحدّده الشّرعُ الإلهيّ، والمفاوضةُ في ذلك هو دخولٌ في المحظور الذي تنتهي معه كلّ الحدود والصّلات. يمكن للاحتياطِ الوجوبيّ، والاحتراز الورِع، والحذر الشّديد؛ أن يأخذ من “فقيه الكلمة” كلَّ مفاصل الخطاب، ودقائق الأفعال، ولكنه لن يعبأ لحظة واحدة بكلّ هذا الطوفان حين يلمس شيئا من ثوابتِ السّماء، وكرامة الإنسان، ولو بتهديدٍ عابر، أو بجيوشٍ من التّرعيب. على هذا المنوال، ظلّ الشّيخ الوقورُ غير مهادنٍ في سلامةِ دينه، وفي أمنِ وطنه، وفي عزّةِ شعبه. وقد أثبتت الأيّام، على اختلافِ حلوها ومرّها؛ أن هذه الثلاثيّة غير قابلة للتجزئةِ أو التقسيمِ على حسابِ السياسةِ وتقلّباتها، ولا على حسابِ أهل الدّنيا ومصالحهم. هذا الثّباتُ ليس خلافا للسّنن، أو ارتهانا للتصلُّب المطلق. إنّ ثبات الشّيخ قاسم هو ثباتُ الانتماءِ والهويّة. الانتماءُ إلى الدّين الأصيل، وهويّةُ البقاءِ على هذا الدّين، والدّفاع عنه، وعن كلّ قيمه وجواهره. أمّا المواقع، والمنابر، والأمكنة، والوجوه؛ فهي أشكالٌ وزخارف تتغيّر على الدّوام، ومثلها مثل سنوات العُمر التي تزيد في المرءِ شَيبا وهرَما، ولكنها أعجز من أنْ تطالَ حرفا من الانتماءِ والهويّة.

في عقيدةِ الشّيخ قاسم: لا بديل عن مواصلة المسيرة، لأنّها امتدادٌ لطريق الأنبياء والأولياء. والضّمان الوحيدُ لنقاءِ هذه المسيرةِ وصلاحها؛ هو التزوّد بالتّقوى. أيُّ انحرافٍ أو تهاون في ذلك هو مؤشّر على الفشلِ والانحدار نحو الجاهليّة. بهذا المعنى، فإنّ تعطّل الإصلاح، وتعثّر المعارضات، وانزلاق الأحداث والعلائق؛ إنما يعود إلى نقصٍ أو فقر في زاد التّقوى. وفي ذلك؛ فلا قيمة لأيّ انتصار دنيويّ، أو غلبة ماديّة، أو علوّ في الأرض، أو تكالب كلّ الأعداء، أو تفرُّق الأصدقاء، أو الصّراع المدويّ، أو أسلحة الموت، أو أموال الدّنيا. فذلك كلّه، في قاموس الانتماءِ إلى السّماء؛ إنّما هي أحوالٌ عابرة، وهي تضاريس عرجاء يمكن أن تُسوّى كلّها تحت الأقدامِ بوقفةٍ واحدة من شموخ سماويّ، وبطلّةٍ عزيزةٍ من عالمٍ ربّاني، ليس فيه من ميْلٍ لترهيبٍ أو ترغيب، ولا لوساوس الأنسِ والجنّ. هذا سرُّ أن الشّيخ قاسم هزأ بكلّ هذا الألم الذي حلّ عليه، بكثافةِ البلاء الأعمى، منذ يونيو ٢٠١٦م، بل صرفَ ذلك في سبيلِ الله، ولأجله تعالى لا شريك له.

يعزُّ على الشّيخ قاسم هذا الأسى والتمزّق العائم منذ سنوات في البحرين، وكلُّه دعاءٌ وإرادة أن يرتفع الألمُ والمعاناة، ويتوقف “الصراع الدائم” و”المتاعب المتراكمة”، و”أن ينتهي الاستنزاف ويستريح الوطن”، ويعود الجميعُ إلى التّعاون والانسجام. يصرُّ على أن يكون ذلك مبنيّا على أرضيّةِ الإصلاح، والعمل السّلمي، والحوار الجاد، وهو عن ذلك لا يحول ولا يغازل. من هذا الخيار “يعمُّ الخير والعدل للجميع“، ومن هذا الباب يكون “استرداد الحقوق، وتجنيب الوطن الحروب، وتركيز الأخوة الوطنيّة“. ولكن ذلك لا يتمّ إلا “بمضاعفة الجهود السّلميّة المُثلى“، وعلاج “الشقاق والعداء” داخل البيت الواحد، والانتصار على النفس والفساد بالتقوى وبالعقلانيّةِ والحكمة و”نداءات الدّين والضّمير الإنساني“. أما إكمالُ المعادلة، فيكون – بحسب الشّيخ قاسم – بحكومةٍ تعمل باعتبارها “خادمة لصالح الشّعب المعنويّة والمادية”، فهذه هذه الوظيفة الطّبيعية لكلّ حكوماتِ العالم، وبتحقُّق ذلك “يبدأ التعاون الجدّي من أجل استعادة الوطن لعافيته وترميم ما خلّفه الصراع“.