• لتحميل الإصدار كاملا بصيغة بي دي إف: من هنا

بسم الله الرّحمن الرّحيم

لماذا نختلف في المواقف السّياسيّة؟

     هذا سؤالٌ بسيط، ولكنّه مهمٌّ في رأيي. والإجابة عليه – ولو باجتهاداتٍ معيّنة – يمكن أن يساعد على فهْم الكثير من الأمور والأحداث والمواقف حولنا، وأن نقلّل من نسبةِ “الانبعاثات الضّارة” للخلافات، وخاصة إذا كانت الخلافاتُ تتعلّق بالموقفِ من الخارج، وعلى وجه الخصوص في شؤون السّياسة وقضاياها.

وجهة نظري تبدأ من التّأكيد على أننّا – نحن البشر – إنّما نختلفُ فيما بيننا، لكوننا “بشر“. فنحن نختلف في كلّ شيء، من أبسط الأشياءِ إلى أكثرها تعقيدا. في داخلِ المنزل بين أفراد الأسرة، وفي المجتمع ومؤسساته، وفي الدائرة الأوسع من هذا الوجود. في كلّ هذه الدوائر تتخالف الأشياء والآراء والوجوه والألوان، وهذه سنّة من سُنن الحياة التي أرادها الله تعالى في البشر خاصة.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ“. والناسُ في هذه الدُّنيا شعوبٌ وقبائل، أي من أصنافٍ مختلفة، وطبائع متعدّدة، ومن عوالم غير متشابهة. يقول تعالى في القرآن: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ“. وجاء أيضا في القرآن: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ“.

والاختلافُ في هذه الدُّنيا لا يمكن أن يُحْسم حسْما نهائيّا، لأنّ الوجود الدّنيوي وجودٌ مؤقّت، وله أحكامه وقوانينه الخاصّة، ففي هذه الدُّنيا نحن نبقى محكومين بالقوانين والسُّنن التي أرادها الله تعالى، بما في ذلك سُنن الاختبار والابتلاء، أما فضُّ النّزاع وحسْم الاختلاف غير القابل للمراجعةِ والتحوُّل؛ فسيكون مكانه وزمانه: يوم القيامة، وكما يقول الله تعالى في القرآن: “فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ“.

السياسة: ميدان التّدافع.. والأهواء

إنّ السّياسة في هذه الدّنيا هي ميدانُ التّدافع الأكبر بين البشر. في هذا الميدان؛ تتواجه الإراداتُ، وتتقابل الأهواءُ، وتتصارع القوى. ولهذا السّبب، تحديدا؛ فإنّ الاختلاف في السّياسةِ يكون أشدَّ وأقسى.

هذه الشدّة والقسوة تزداد، أكثر فأكثر، بحسبِ طبيعة المحرِّك الدّاخلي للاختلافِ السّياسي، ونعني به – تحديدا – محرّك: “إثبات الموقف، ونقْض الموقف الآخر“.

إنّ “الإثباتَ والنقضَ” هو اختصارٌ لعلاقةِ التّضاد والتّصارع المشحونة في عالم السّياسة. فهو عالمٌ يقوم على محاولاتٍ متكرّرة ومستمرة، من عمليّاتِ إثبات صحّة الموقفِ الذي يتبنّاه المرء، ونقْض صحّة الموقفِ الآخر الذي يتبنّاه غيره. وقد يخفُّ هذا المحرّكُ في بعض المواقف السياسيّة، فيبدو أقلّ ظهورا، وخاصة إذا كان مستورا خلف أدوات النّقد والتّحليل والمقارنة الشكليّة، ولكن في نهايةِ الأمر فإنّ “الخطاب السّياسي” لا يخرج عن إطارِ محاولةِ إثباتِ صحّة الموقف الخاصّ وبطلان الموقف الآخر.

إنّ علاقات السّياسة وتفاعلاتها؛ ترمي إلى فرْض الهزيمة، وتحقيق الانتصار، وتثبيت الهيمنة، وفي أحوالٍ أخرى – أقلّ شدّة – فإنّها تسعى إلى خلْق المساومات والصّفقات التي تحقّق شيئا من التّوازن أو الهدنة أو المناورة، ولكنّها أيضا لا تخلو من جذور سابقةٍ لعمليّة الإثبات والنّقض، أو بذور لنمو هذه العمليّة في أيّ وقت من الأوقات.

  • لقراءة الإصدار كاملا بصيغة بي دي إف: من هنا