كان للمجتمع الأهلي السياسي في البحرين دوره المؤثر في العديد من المحطات التي مرت بها البلاد، وخاصة على صعيد معالجة الأزمات، والمساهمة في تقريب وجهات النظر وتمهيد الأجواء للحوارات السياسية والمصالحة الوطنية، إضافة إلى الدور الاجتماعي والثقافي الذي بذلته مؤسسات المجتمع المدني، وهو ما كان له أثره البارز في تحقيق مكانة معروفة للمجتمع الأهلي البحريني، وعلى مستوى الخليج.

في السنوات الأخيرة، شهد المجتمع السياسي المحلي العديد من التحديات المركبة، وكان أمام الفاعلين في هذا المجتمع أن يبذلوا العديد من الجهود من أجل تفادي الآثار السلبية التي طرأت بشكل متزايد، وخصوصا مع غياب جمعيات سياسية مهمة، كان لها أثرها المعروف في التدافع السياسي المحلي.

الجمعيات السياسية: تراجع كبير

وتعبر أوساط محلية عن “الأسف الشديد إزاء غياب جمعيات أساسية عن المشهد السياسي المحلي، بسبب أحكام قضائية بحلها”، وخاصة في الفترة من شهر يونيو من العام ٢٠١٦م، والذي يراه مراقبون بأنه من “الأشهر غير المحمودة في تاريخ العمل المدني في البلاد” بعد سلسلة القرارات التي أدت إلى حل جملة من الجمعيات الأهلية، السياسية والدينية.

في أكتوبر من العام الماضي، اعتبرت جمعية المنبر الوطني الإسلامي بأن “مؤشرات الحراك السياسي اليوم” تشير إلى “تراجع كبير” في عمل الجمعيات السياسية بالبحرين. ورغم مرور أكثر من ١٨ عام على صدور قانون مباشرة الحقوق السياسية في البلاد، إلا أن الجمعية رأت بأن الجمعيات السياسية “تراجع دورها في الساحة المحلية“.

هذا الموقف النقدي قدمه رئيس الهيئة الاستشارية في الجمعية، خالد القطان، خلال ورشة جمعت ثمان جمعيات سياسية بمقر جمعية المنبر التقدمي، وحملت الورشة عنوان “واقع ومستقبل العمل السياسي في البحرين“. وشارك في الورشة كل من المنبر التقدمي، المنبر الوطني الإسلامي، الوسط العربي الإسلامي، التجمع الوطني الدستوري، الصف الإسلامي، التجمع القومي الديمقراطي، تجمع الوحدة الوطنية، التجمع الوطني الديمقراطي الوحدوي، بالإضافة إلى شخصيات وطنية مستقلة. وقد بلغ عدد المشاركين ٤٠ مشاركاً.

غياب “الوفاق” و”وعد”: خسارة للمجتمع السياسي

وقد كان من اللافت أن المجتمعين في الورشة المذكورة، خرجوا ببيان اتفقوا فيه على ما وصفوه بـ”تراجع المكتسبات السياسية غير المسبوقة في مملكة البحرين“.

وأوضح البيان بأن المجتمعين تداولوا ما اعتبروا “أوضاعا صعبة” تعاني منها الجمعيات السياسية التي تعمل تحت مظلة وزارة العدل، وهو الأمر الذي يشير إلى أن المجتمع السياسي في البلاد يعاني بالفعل من “جمود غير محدود في الحياة السياسية“، والذي تزايد على نحو كبير مع إغلاق جمعيات مهمة مثل جمعية الوفاق وجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)، حيث يرى ناشطون سياسيون بأن غياب هاتين الجمعيتين، شكل “خسارة كبيرة للمجتمع السياسي المحلي” مشيرين إلى دور “قيادات هاتين الجمعيتين الممثلة في الشيخ علي سلمان وإبراهيم شريف، وما قامت به من جهود إيجابية في تنويع الحراك السياسي، وإثارة الفاعلية المدنية، والمحافظة على البيئة المناسبة للنقاشات السياسية الإيجابية، وإيجاد المنافذ الملائمة للحوارات السياسية سواء بين الجمعيات السياسية أو بين الجمعيات والجهات المعنية في الدولة، وخاصة على صعيد الدور البارز في رفض أعمال العنف وخطابات الكراهية“.

ويعتقد ناشط في جمعية سياسية محسوبة على المعارضة بأن “الأوضاع التي شهدتها البلاد بعد غياب الوفاق ووعد، أثبتت الحاجة إلى وجود أطراف سياسية تؤمن بالعمل السياسي السلمي، ولديها إيمان حقيقي بالحوار البناء، والقدرة على بناء توافقات مشتركة مع كل الجهات والفرقاء السياسيين“، ودعا الناشط إلى أن تعمل الجهات المعنية في البلاد من أجل “إعادة تصحيح مسار الفضاء السياسي المدني في البلاد، ومن خلال مراجعة الإجراءات التي أفضت إلى غلق الجمعيات السياسية التي كان لها تاريخ سياسي حيوي منذ انطلاق الحياة السياسية في البلاد“.