لا فرق كثيرا بين أمراضِ القلب، وأمراض المجتمع. أعراضُ الآلام التي تنالُ من جسم الإنسان؛ يمكن أن تُشخَّص أيضا في الجسد الاجتماعي. ليس هناك من تطابقٍ كامل، بالطّبع، ولكن الإدارة المنظّمة، والتشخيص العلمي، والتوقّد الإنساني الحيّ – تلك التي تجتمع حينما يكون الطبيبُ شديد الحسّ الإنساني – هي خيرُ معين لأولئك المعنيين بتشخيص أمراضِ المجتمع وأزماته. تبدو هذه النافذة، مع قليل من الاختزال، هي الأفضلُ لكي يُتاح التقاط البانوراما التي تكوّن شخصيّة بامتدادِ الدكتور علي محمد فخرو (مواليد البحرين ١٩٣٢م).

إنّ المحطّات العديدة التي عبرَها فخرو، على مدى أكثر من خمسة عقود؛ من الممكن أن تؤيّد الفكرة التي تقول بأنّ “الطبيب الإنسان” القار في وجدان فخرو، هو منْ أتاح له – في كثير من الأحيان – الإفلات من الأعراض التي تفضي إلى تصلُّب الفكر، وفقر الأبداع، وضيق الأفق، وتراخي الأفعال. لا يختلف ذلك، في كثير من التفاصيل، عن إنقاذ الجسد من تصلُّب الشرايين، وفقر الدم، وضيق التنفس، وتراخي العضلات. لقد كان “أول طبيب” في تاريخ البحرين؛ على إلمام مبكّر بأن “معاناة الآخرين” هو أوّل بروفة للإنسان مع الحياة، وما لم يتحلّ المرء بهذا الشّعور فإنّه سيبقى خافتا في هذه الحياة، وإلى أن يزول.

منذ صغره، وتحت وطأة الحرمان من حضْن الأمّ في الطفولة؛ كوّن فخرو استشعاره المرهف بالآخر، وبالحقل العام، واندفعَ نحو القراءة، والاعتكاف الداخلي، وتذوُّق الجمال، والإقدام على الفعل التضامني، ومن غير تردُّد حيال الكلفةِ الباهظة، كما حصلَ مثلا حينما تظاهر في المدرسة الثانوية لأجل فلسطين، وخطبَ في زملائه، رغم الصّفعة التي تلقاها على وجهه من مدير المدرسة. تقوّى فخرو من تلك الصّفعة، وشّق طريقه حائزا على الدّرجةِ الأولى في صفّه، وحملَ في نفسه الأثرَ الخطير للعنفِ والغلظةِ وسوء المعاملة، وحين أصبحَ وزيرا للتعليم فعلَ الكثير لكي يجرّم العنفَ ويضخّ في المناهج روحَ الإنسان والعصر.

رغم غياب “الحضن” في بيت الجد، إلا أن الضّياع العاطفي لم يسيطر على فخرو، ولم تختطفه العزلةُ طويلا، واستفادَ من طائر الأحلام ليُحلّق بعيدا، وفي آفاقٍ ممدودةٍ – وممتدة حتى اليوم – على الوحدة، الحرية، والعدالة، والديمقراطيّة. هذا التحليق لم يكن جموحا “بعثيّا”، أو رومانسيّة وردية، بل كان إحساسا إنسانيا، وتفكيرا نقديا، وممارسة اجتهادية على الأرض، وما استطاع إلى ذلك سبيلا. إيمانه بالوحدة تقوّم بالمراجعة النقديّة، فانتقد الحزب الذي انتمى إليه منذ شبابه الأوّل. وظلّ اعتقاده بالحريّة مزروعا في تربةِ التسامح مع الآخر، والعقلانيّة، كما أن العدالة نمت فيه تحت ظلال الإيمان العملي برفض “الاستقطاب” والتمييز والطائفية، هذه الأخيرة التي يعتبرها فخرو “فاجعة”، والتحدي الأكبر هو في التخفيف منها. أما الديمقراطية فهي، بنظر فخرو، موضوع غير قابل للتأجيل، والخطأ الذي ارتكبه جيله، كما يقرُّ فخرو، هو وضْعُ موضوع الديمقراطية “على جنب“. إلا أن الديمقراطية، كما يقول فخرو، ليس فقط في الحكم، وإنما في كلّ جوانب الحياة.

ابتعد فخرو عن العمل الرسمي، وقد كان من المشاركين الأوائل في قيام الدولة الحديثة بالبحرين. لا يخفي فخرو سعادته من هذا الابتعاد، لأنه أتاح له “التركيز” على عمله الفكري “بحرية تامة“. قدّم فخرو اجتهادات عديدة في بناء الدّولة، ومن أعلى مواقع الحكومة. من المهم أن تجتهد، وفي الاجتهادِ قد تصيبُ وقد تخطئ، وليس ثمة مشكلة في ذلك، إن المشكلة – بحسب سيرة فخرو – هو أن تُصاب بالترهُّل، وتذوبَ مع الزمن، وتختفي مع غروب شمس آخر اليوم. بالنسبة لفخرو، فإنّ ما يمدّه بالقدرةِ على الاجتهاد؛ هو إصراره على عدم الوقوع في فخّ التشاؤم. البقاءُ في الحقل العام هو قرارٌ علني بانتزاع التفاؤل على الدوام، أما من يقرّر الاستسلام، فعليه أن ينسحب من الحياة العامة، لكيلا يعدي الآخرين بهذا الفيروس القاتل. هذا ما يؤمن به فخرو.

السياسة، بالنسبة لفخرو، ليست “ثأرا”، ولكنها وعي باحتياجات الناس، والمساهمة في تحقيقها، ومن غير تفاخُر أو بروغندا. تحتاج هذه “السياسة” إلى قول صريح، وإنما صادق. فعلَ فخرو ذلك وهو في قلب “الدولة”، وكان صريحا مع “الأمير السابق (المرحوم الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة) إلى أبعد الحدود“، كما يقول، ولأنه كان صادقا في صراحته، وليس صداميّا، فقد وجد من الأمير السّابق “السند والاهتمام والثقة“. الصّراحة هنا متساوية، مع الجميع، فجميع الجهات في البحرين “دون استثناء ارتكبت أخطاء“، ويضيف فخرو أن “المعارضة والحكومة أضاعت فرصا كثيرة“، ما أدى لأنْ تكون “قضية البحرين خارج السيطرة المحليّة“.
يؤمن فخرو، بإصرار، بأن “صاحب القرار بحاجة للحصول على فكرة موضوعية، حقيقية، وليست متخيّلة، وليس فيها نوع من المجاملة“. هو إيمانُ المفكّرِ الإنسان غيرِ المعزول عن مجتمعه وسياقه العام، وقد توفّر فخرو على هذا الإيمان بفضل طريقته الخاصة في التفكير الحرّ، ولكن المليء بالحساسيّة الإنسانيّة، والشعور بآلام الآخرين. القرآنُ الكريم الذي درَسه طفلا في كتاتيب المحرّق؛ منحه تقويما في اللّسان والبيان. وعالمُ الطّب أمدّه بالفكر المنظّم، والعطاء المدروس، والشّغف في الخدمة العامة: مناضلا قوميّا، أو وزيرا وسفيرا، أو كاتبا ناصحا وناقدا.