بقلم: علي باقر|

 

مع الاعتذار للأستاذ إبراهيم شريف، العنوان هو اقتباس من تغريدة نشرها على حسابه في موقع توتير. يعرف الأستاذ إبراهيم، وكثيرون، طبيعة ما يجري في العالم بسبب وباء كورونا، وأن الأولوية باتت تتركز على توفير الرعاية الصحية، والمساواة في تقديم الاحتياجات اللازمة لذلك. وحين تكون المسألة الصحية موضع اهتمام عالمي، لأنها مسألة “حياة أو موت“؛ فإن كثيرا من الأمور الأخرى – التي تعتبر أولوية قصوى في الظروف العادية – تتراجع إلى الخلف قليلا، وتصبح هامشية أو مؤجلة. فهل المصالحة الوطنية من هذه الأمور؟ أم أنها جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الصحية المطلوبة في زمن كورونا؟

أولا، علينا أن نعيد التفكير في مفهوم المصالحة الوطنية. لاشك أن المصالحة الوطنية بعد زمن كورونا ليس هي ذاتها قبل زمن هذا الوباء العالمي. قبل كورونا، حين يتم الحديث عن مصالحة وطنية فإننا نتحدث عن صراع سياسي، وعن خلافات أو اختلافات حادة بين أطراف الأزمة السياسية. ويتم العمل – في هذه الحال – على تليين الأطراف، وتلطيف الأجواء، وتقريب المسافات ووجهات النظر، على أمل أن يحدث التلاقي أو التقارب بين أطراف الأزمة، ويجري اللقاء والحوار فيما بينها، وبعد ذلك يتم إنتاج مصالحة وطنية على أرضية التقارب السياسي أو التفاهمات السياسية المتحققة. كل ذلك قبل كورونا، أم بعدها فالأمور اختلفت كثيرا، على الأقل من وجهة نظر الكاتب.

أمام هذا الوباء، فإن المطلوب ليس مصالحة وطنية يتم إنتاجها وفق التسلسل المذكور أعلاه، والذي يصلح في الظروف العادية. فليس هناك في زمن كورونا متسع ذهني وفكري واجتماعي مهيأ للدخول في تسلسل زمني قد يطول، وقد يأخذ مدى معقدا من الأخذ والرد بين أطراف الأزمة، ومن غير المتوقع أن يكون كلُّ من المجتمع والدولة والمعارضة السياسية قادرين على إنتاج وصفات ناجحة لحل دائم للمعضلات السياسية القائمة، والسبب هو أن الجميع منشغلون في اهتمامات أخرى لها أولوية أكثر، وهي أولوية محقة بالفعل.

ما قاله الأستاذ إبراهيم شريف -وآخرون- هو صحيح، ولكن في العموم، وليس في التفاصيل. صحيح أن زمن كورونا هو خير زمن لبناء مصالحات على كل المستوى، المحلي والإقليمي والدولي، ولكن ليس بالمعنى الذي نحمله ونفكر فيه مسبقا لمفهوم المصالحات. على المستوى المحلي، يمكن القول بأن المصالحة الوطنية المطلوبة في زمن كورونا، من الضروري أن تراعي الأمور التالية:

١- العمل على بناء المصالحة الوطنية استنادا على متغيرات محلية (محفزة) ناتجة عن إيجابيات التضامن الداخلي في مواجهة كورونا. وهذا يلزم التخفيف من التأثر بالمتغيرات الإقليمية والدولية وأثرها المحلي، بالتوازي مع تكثيف مساحة المتغيرات الإيجابية المحلية وتوسيعها بكل الوسائل الممكنة.

٢- عدم الربط التأزيمي – إعلاميا وسياسيا – بين الوقائع التي سبقت زمن كورونا بالوقائع الجديدة التي بدأت ترتسم بعد زمن كورونا، وعدم الربط يقتضي جملة عمليات خطابية وعملية من جميع الأطراف، ومن ذلك النأي عن تأجيج الجراح، والكف عن المزايدات، وأخذ العبرة من الماضي الأليم بعدم تكراره، وتقديم تنازلات متبادلة لا تمس بأصل الحقوق أو القيم الأصيلة.

٣- العمل الأهلي والرسمي المشترك والموسع في الحرب على كورونا في الداخل، وأن يتنافس الجميع في الاهتمام المركز على هذه الأولوية، ويقدم كل الجهود والمبادرات، والاجتهاد في الابتكار والإبداع على هذا المستوى. ومن شأن هذا الاشتغال المركز أن يدفع الجميع – بشكل عملي ومن غير تخطيط مبرمج – للتلاقي الكامل، وبالتالي استواء الأرضية المناسبة للمصالحة الوطنية، وهي أرضية من المتوقع أن تكون أفضل من أية أرضية أخرى لها صلة بزمن ما قبل كورونا.

٤- التصور أعلاه يقتضي عدم التفكير السياسي المسبق في هيئة وشكل ومحتوى المصالحة الوطنية المطلوبة في زمن كورونا، وهو ما يؤكد أهمية عدم تسييس ملف كورونا، واجتناب كل أشكال المزايدة والمغالبة السياسية في التعاطي مع هذا الملف، ومن كل الأطراف المعنية.

٥- هيئة وشكل ومحتوى المصالحة الوطنية في زمن كورونا، يتم العمل عليها والتفكير العملي فيها بعد استنفاذ المهمة الوطنية المشتركة في مواجهة كورونا، والانتصار  الوطني في هذه المعركة. أي أن التفكير الجماعي وقت المعركة ينبغي أن يكون في حدود مستلزمات خوض هذه المعركة بشكل وطني للتغلب على الوباء وآثاره، مع الحرص في هذا الوقت على الأمور المذكورة في النقاط السابقة، والتحفيز عليها، وتطويرها، وترسيخها داخل مكونات المجتمع والدولة والمعارضة. وبعد هذه المرحلة، وفي ظل الترتبات الإيجابية المشتركة المتوقعة؛ سيكون الذهن العام – العمومي – والأجواء المحيطة مهيأة لتفكير سليم لإنتاج تفاصيل “هوية” المصالحة الوطنية المطلوبة.