لتحميل الإصدار بصيغة (بي دي إف): من هنا

سلسلة الحوار والتسامح (١)                                                   

محاضرات العلامة السيد عبدالله الغريفي

التَّقارب

 

المقدمة:

ألقى العلامة السّيد عبد الله الغريفي خطابا في مسجد الإمام الصادق (ع)، في منطقة القفول بالبحرين، بتاريخ ١٩ يوليو ٢٠١٨م، وطرحَ في الخطاب تساؤلاتٍ عدّة حول جدوى المعالجات المطروحة للفتن، بكلّ أنواعها، بما في ذلك الفتن الطائفيّة والاجتماعيّة، وما يدور مدارها من أزماتٍ سياسيّة وخلافاتٍ مستعصية. وكان الخطابُ يتوجّه إلى طرْح تساؤلات حول المواقف المختلفة التي تُقدّم تصوّرها حول التّقارب، بوصفه وسيلة لمعالجة هذه الفتن والأزمات والخلافات.

يؤكد العلامة الغريفيّ في خطابه على أنّ “غياب لغة التقارب والحوار في الأوطان، بين المكونات المذهبيّة والسّياسيّة والمجتمعيّة” من شأنه أن “يؤجِّج الكراهيّاتِ، والعداواتِ، والخلافاتِ، والصِّراعاتِ“، وهو المآلُ الطّبيعيّ الذي “يُعزّز الفرقة والتباعد بين المكوِّنات، والانتماءات، والولاءات في البلد الواحد“.

هذه الرّؤية تنطلق من تأسيسٍ جوهريّ يؤكّد أن “الأوطان بحاجة لخطابٍ يؤسِّس إلى لغة الحبِّ والتَّفاهم والإعتراف بخصوصية كافة المكونات“. وانطلاقا من مشاهد الواقع ومداراته؛ فإنّ العلامة الغريفيّ يُشدّد على أنّ “الوطن بحاجة إلى لغةِ الرِّفق، والتَّسامح، وإلى لغة التَّآلف، والتَّقارب“، وهو أمرٌ يتوجّب على الجميع، من أجل أن يعملوا على إيجاد آليّة مناسبةٍ لإدارةِ اختلاف “المشارب الفكريّة، والانتماءات المذهبيّة، والمواقف السّياسية بين المواطنين“.

في الخطاب ذاته، يُرجِع العلامة الغريفيّ الأزمات التي تعاني منها “الأوطان والشُّعوب، سواءً كانت الدِّينيَّة أوالسِّياسيَّة أوالاجتماعيَّة وحتى الاقتصاديَّة” إلى  “التَّوتُّرات، والاضطرابات، والتي تعد نتيجةً طبيعيَّةً لوجود الصِّراعات، والخلافات، والعداوات“. وهو ما يُفضي إلى خلاصةٍ واضحة بشأن أهميّة “التَّقارب، والتَّفاهم، من أجل المصارحة، والمكاشفة“، وهو خيار ضروريّ “لكيلا تتراكم الأخطاء، وتتولَّد الأَزَمات، وحتى يكون الوطن معافَى من كلِّ الأزمات السِّياسية“.

إنّ أهميّة هذا الخطاب، وما يؤسّسُ له من خطاباتٍ أخرى للعلاّمة الغريفيّ؛ هو أنّه ينطلقُ من إدراكٍ كامل، وملامسةٍ حيّةٍ، لكلِّ تفاصيل الطريقِ الوعرة، والجراح العميقة التي تنتشر في البحرين، ومنذ العام ٢٠١١م. فالعلاّمة الغريفيّ مطلٌّ على هذه الخرائط النّازفة، وعلى تماس مباشر مع أدقّ تحدّياتها، وهو انطلاقا من ذلك يتّخذ مساره البيّن في فتْحِ نافذةٍ لرؤيةِ المشهدِ بعدساتٍ أخرى، تكون أكثر قدرةً على بسْطِ طريق الأمل، والتهيئة الممكنةِ للوصولِ إلى توافقاتٍ اجتماعيّة وسياسيّة آمنةٍ في البحرين.

في هذه السّلسلة؛ نؤمن بأهميّة تقديم الرؤى التي قدّمها العلاّمة الغريفي، لكونها تُمثّل خطابا له قيمته الفكريّة والدّينيّة والاجتماعيّة والرمزيّة، وتمثّل جهدا اجتهاديّا من أجل (الحوار والتّسامح). في هذه السّلسلة، نُعيد نشر وتحرير خطابات العلاّمة الغريفيّ، ولاسيما تلك التي ركّزت على بناء التقارب ولغة الحوار، وقدّمت نقاشا حواريّا حول مضار الخطاباتِ الأخرى، وتداعياتها السّلبيّة على الوطن والمواطنين. ونأملُ أن تمثّل هذه السّلسلة – التي نقدّمها باللغتين العربيّة والإنكليزيّة – محاولة إيجابيّة لإعادة التفكير البنّاء، وتجديد الحراك التداولي للأفكار والخطابات التي تدعو إلى الحوار والتسامح، وتقترح وجهات نظر في سبيل الخروج من الأزماتِ ومن أجواء الصّراع والاضطرابات.

مركز البحرين للحوار والتسامح

مارس ٢٠٢٠