الحاجّة زهرة بنت ملا يوسف ملا عطية الجمري، أو (أمّ جميل)، (مواليد البحرين ١٩٤٢م). هي المرأةُ البحرينيّة التي تبدو – حتى إشعار آخر – الأكثر تعبيرا عن أهلِ البحرين، بروحهم وأرواحهم، بأصْلهم وصلاتهم. ما الذي تمثّله أمّ جميل أكثر وأبعد من كونها زوجة الرّجل الذي هواه المواطنون، سنّة وشيعة، وشيّعوه في أكبر جنازة بتاريخ البلاد؟ لا شكّ أن قيمة أم جميل، هي في تلك الإسهاماتِ المؤثرة التي طبعتها في سيرةِ ومسيرة الرّاحل (أبو جميل) الشّيح عبدالأمير الجمري (١٩٣٨ -٢٠٠٦). لقد كانت الزّوجة الوحيدة، والأكثر ارتباطا وانسجاما بزوجها غير الاعتيادي. كان الشّيخُ الجمري حريصا، في كلّ مرّة، على أن يُظهِرَ الثّناءَ لها ويسجّلَ التّقديرَ والمديحَ لها. لقد كانت، بحقّ، رفيقة الدّرب الطّويل، في يُسْره وعُسْره، وما كان لها أن تبدّل تبديلا في يومٍ من الأيام، وما كان لأبي جميلٍ هو أيضا.

في أكثر اللّحظات التي تبدو فيها الأمورُ على وشكِ الانسدادِ – حيث لا خيارات يسيرة متاحة أمام المرء – فإنّ الانعطافَ التلقائي، حينها، يكون بنشْدان الرّاحةِ والاطمئنان، وهو لا يكون إلا حين يكون ثمّة قلب امرأةٍ برتبة “أم“. لتكون أمّ أبيها، وأمّ زوجها، وأمّ أهلها وشعبها. والأمُّ هنا، في الأغلبِ، غيرُ بعيدةٍ عن معنى الأمّة، أو مجموع النّاس الذين لا يُقيم فيهم الاتزانُ والاستواءُ إلا بالارتواءِ من حنانِ الأمهات، وعلى وجه الخصوص اللواتي امتلأن بذواتِ الآخرين، وخرجن من ذواتهن الصّغيرة. إنّ الأمّ لا تكون خيرَ أمّ، إلا حين تكون خيرَ أمّةٍ، أي تكون خيْرا للجميع، بحنانها غير المحدود، وعطائها الممدودِ مع المدى، وعواطفها غير المحبوسةِ في القذى. لقد كانت أمّ جميل مثالا على هذه الأمِ الأمّة، وهي لذلك لم تكن أمّا عاديّة، وهي ما كانت بالطّبع زوجة رجلٍ عابر.

يتجسّد عطاءُ أم جميل في مسارين. الأوّل في مسارِ زوجها الاستثنائي، الرّاحل الشّيخ الجمري. والثاني في مسار أبنائها العشرة، من الأولادِ والبنات. في الأوّل؛ يتجلّى من المرأةِ ما فيها من قدراتِ الدّعم والمساندة، وفي المسار الثّاني تبدو قدراتها في التنشئةِ والرّعاية. الرّجلُ يتقوّى على تحمُّل الضّيق والمضائق حين تكون رفيقة دربه غيرَ محدودةٍ، ولا مستاءة، وفي كلا المسارين. وأمّ جميل كانت، بحقّ، النّموذج السّاطع للمرأةِ التي تفعلُ ذلك وهي في أبسطِ حالاتها، تلك الحالاتُ التي لا تصلُ إليها المرأةُ إلا حين تعلو إلى شيءٍ من ذلك المستوى الذي يأخذ روائحَ من مقامِ مريم العذراء (أم السّيد المسيح)، ومن “أمّ أبيها” (فاطمة بنت النبي محمّد)، وروائحَ أخرى من مقام أخرياتٍ عظيمات، أمثال٬: أمّ البنين، وزينب شقيقة الإمام الحسين..

لم تتأخر أقدامُ (أم جميل) عن إثباتِ رسوخها إلى جانبِ أقدامِ زوجها الرّاحل. في الأقدامِ المشتركة بينهما.. تجلّى الثّباتُ على القيم النّبيلة، والإقدامُ في الدّفاعِ من أجل هذه القيم. قيم العدالة والمساواة والكرامة. في النّجف الأشرف؛ كان شظفُ العيشِ لا يغادرُ الشّيخَ الجمري الذي ذهبَ هناك لتلقّي العلوم الدّينيّة. إضافة إلى شكيمةِ الجمريّ؛ فقد كان تحمُّل الوضْعِ والتميُّزُ فيه يتطلّب زوجة تشاطرُ زوجَها الهمومَ والمسؤوليّات. تولّت أمُّ جميل تدبيرَ المنزلِ، وتنشئة الأبناء، ومساندة الزّوج. في السّفر والحَضر، في الحضور والغياب، وفي أوقاتِ المحنةِ وحين ينتشرُ الرّخاء. لم يشغلها في ذلك قلّة ذات اليد، أو اكتظاظ الشّدة، أو انشغالاتُ الزّوج في العلم والتبليغ وفي النّضال الوطنيّ، ولم يُقلّل من عزْمها العَسفُ وسنواتُ السّجنِ التي طالَت زوجها وأبناءها وأزواجَ بناتها.

ارتقى الأبناءُ، ولا يزالون، في أكثر من تميّزٍ ونجاح. وارتحلَ الزّوجُ إلى الرّفيق الأعلى، بعد عُمر حافلٍ بجزيل العطاء، وهو لازال مخلّدا في الذّاكرة، مثل نجم لا يذوبُ في السّماء. بين مسافاتِ الأقدامِ التي ترْفلُ بالإقدام، وفي مساحاتِ الحزن والفرح؛ قدّمت أمّ جميل ما يحتاجه الزّوجُ والأبناء، فكان فعْلها “نبراسا مهديّا“. صبرَت “صبرَا جميلا“، وما تردّدت في أن يكون عطاؤها “صادقا منصورا“. تعلّم الجميعُ ودرَسوا في علوم شتى، ولكنها غرست في أبنائها – بنين وبنات – شجرةً أصلها “العَفاف”: الذي يعني أنْ يعفّ كلّ واحد نفسَه عن كلّ ما يسيء لنفسه وللآخرين، وأن يعفوا عند المقدرة ويصفحوا عن المسيئين، بلا مزايدةٍ أو مقابل. لم تُفرّق في ذلك بين الأبناء والبنات، أو بين الأسماء والألوان، أو بين الدكتور والمهندس والإداري والمحامي والصحفي. تسري على الجميعِ قوانينُ الأمومة، وقيمُ الأمّة.

في سبعينياتِ الغربةِ وقسوةِ الحياة؛ كان لأمِّ جميلِ صبرُها وحمْدُها. في الثمانينات، حيث معاناة الزّوجِ واعتقال الأحبّة؛ ما رأت أمُّ جميل من ذلك إلا جميلا، وجادتْ رغم الأسى بجليلِ الأفعال والأقوال، فكان جودُها هاديا لجميلِ الأيامِ، ولو بعد حين. في التسعينيات، صدحَ أعظمُ ما في أمّ جميل من أمومة، فكانت أمّا لعوائل المعتقلين والشهداء، وكانت صوتهم غير المبحوح في وثائقي قناة “البي البي سي“، وهي شيمةٌ ما فترَتْ فيها بفتراتِ السّجن المتكرّرة لزوجها، وما تلاها من محنِ الإقامة الجبريّة، والمرض الأليم. لم تترك الجمريّ وحيدا، في الرّحلة كلّها، بما فيها رحلاته العلاجيّة، وإلى أن انتقلَ إلى المعشوق الأعلى في ١٨ ديسمبر ٢٠٠٦م. صورة أم جميل لا تقلّ عن أي صورٍ لنساءٍ عظيمات في هذا الكون، وهي في الجدارةِ القصوى لأن تظلّ أمّ البحرين، بكلّ نخْلها وبحورها.