بقلم: صادق الستري|

كاتب بحريني

 

حدثان في هذا اليوم، شكل كلاهما منعطفا في حياة البحرينيين. الأول كان الحراك المطلبي الواسع الذي انطلق في ١٤ فبراير من العام ٢٠١١م. من المؤسف أن الحكومة لم تتعاط بشكل سليم مع هذا الحراك، في الوقت الذي كان يمكن أن يشكل هذا الحدث الطريقَ للانتقال من مرحلة الصراع إلى البناء. ولا تزال المعارضة تحيي هذا اليوم لتعبر عن رؤيتها في الالتزام بمبادئ حراك ١٤ فبراير، وعلى رأسها العدالة والمواطنة والسلميّة.

أما الحدث الثاني، فهو على أهميته، إلا أنه أصبح اليوم مناسبة رسمية، على الرغم من أنّ صناعته كان بإرادة توافقية بين الحكومة والمعارضة.

في يومي الأربعاء ١٤ فبراير والخميس ١٥ فبراير من عام ٢٠٠١م؛ أقبل المواطنون في البحرين على التصويت على ميثاق العمل الوطني، بدعوة مشتركة من الحكومة والمعارضة. كان هذا التاريخ استفتاء عاما غير مسبوق في تاريخ البلاد، وانتهى بحصادٍ تاريخي بعد أن وافقَ البحرينيون على الميثاق بنسبة 98,4% حيث امتزجت هذه المشاركة الشعبية بموج عارم من التوقعات الإيجابية بمستقبل مشرق للبلاد.

من الصعوبة أن تتغاضى الحكومة والمعارضة عن هذه المحطة التاريخيّة، برغم التحديات العصيبة التي أعقبتها بعام واحد فقط. تمثل هذه المحطة مختبرا مفتوحا لمعرفة الخطاب والسلوك السياسي والاجتماعي والثقافي لكل الطرفين، والوقوف عند الموجّهات والتوجّهات التي حكمت المسار العام للفاعلين المؤثرين على الأحداث.

شكّل مشهد الإجماع الشعبي آنذاك؛ بؤرة مفصليّة تُتيح إثبات القدرة على إنجاز التوافق والمصالحة، وتخطي التحديات والجراح الكبيرة. النقطة الأولى الجديرة بالاستذكار، هي الرغبة المشتركة في إنهاء الصراع السياسي. إن الإقدام على خطوة الإصلاح والمعالجة بحاجة إلى هذه الرغبة. في ذلك الوقت كان مستوى التعبير عن هذه الرغبة واضحا، ومتعددا، وعمليا. كلما كانت الرغبة بهذا المستوى، كلما كان التقدم في الإصلاح أقرب إلى الواقع والتنفيذ.

في الفترة الأخيرة؛ أبرزت المعارضة مستويات معينة من الرغبة في إنهاء الصّراع، ولعل أبرزها ما ورد في بيان آية الله الشّيخ عيسى قاسم بذكرى ١٤ فبراير من العام ٢٠١٩م. بحسب الورقة التحليلية التي نشرها مركز البحرين للحوار والتسامح؛ فإن الشيخ قاسم قدّم مقاربة متقدّمة لواقع الصّراع في البحرين، رغم الحجم الهائل من الوقائع الحادة التي تثقل البلاد. فقد شدد الشيخ قاسم على ضرورة إنهاء الصراع في البحرين، وعابَ الذين يمنعون الوطن من أن “يستريح”. هذا البيان، ولا شك، يُفصح عن رغبة واضحة في الخروج من الاستنزاف والمتاعب التي ترهق الوطن والمواطنين، ولكن من المؤسف أن هذا البيان الهام لم تتلقفه الحكومة، وخصوصا أنه صدر من قامة دينية ووطنية بوزن الشيخ قاسم.

بعد قرابة ١٩ عاما من ذكرى التصويت على الميثاق، نستذكر نقطة أخرى على قدر من الأهمية أيضا. كانت الحكومة في ذلك الوقت موحّدة في الموقف، وكذلك كانت المعارضة. كانت هناك آراء في الجانبين، لها اجتهادات أو هواجس معينة، ولكن الموقف العام داخل الحكومة، وداخل المعارضة، كان على قدر من التوافق والاتفاق، وبالتالي فقد كان ممكنا أن يتقدم الجانبان إلى بعضهما ويُسهما في إنتاج التوافق الشعبي على الميثاق.

هذا الدرس يقول إن نضوج التوافق بين الحكومة والمعارضة، يحتاج إلى أن تكون الحكومة موحدة في موقفها ورأيها، وكذلك المعارضة. من العسير الدخول في توافق أو تقارب بين الطرفين، والخروج بنتائج جذرية، ما لم يكن هناك توافق عام داخل الحكومة، وتوافق عام داخل المعارضة، ثم يتلاقى الجانبان في إنجاز التوافق المشترك.

جزء من المسؤولية الوطنية اليوم هو العمل على إقناع كل الحكومة، وكل المعارضة، بأن الضرورة التاريخية تقتضي إحلال السلام في البلاد، والبدء في إنجاز المهمة المؤجلة ببناء دولة المواطنة المتساوية. هذه المسؤولية ملقاة على عاتق الجميع، المشاركين في الحكومة، وأعضاء المعارضة على حد سواء، ومناط بهم العمل على “إحلال التعاون والانسجام” محل “الصّراع والاستنزاف“، ولعل الرجوع إلى مبادئ حراك ١٤ فبراير في الإصلاح والحوار والسّلمية والتي عبرت عنها المعارضة؛ هو ممّا يعين على ذلك.