تبدو دول الخليج، في الفترة الراهنة، بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة وتسويق مفهوم المواطنة، أو الانتماء للدولة والوطن. في شأن “الهوية الوطنية“، لا زال هناك الكثير مما يتطلب الاتفاق عليه أولا، وبعد ذلك يمكن اختبار القدرات الأخرى في تسليك العلاقات وإقامة التفاهمات أو العقود الناظمة للجماعات وهوياتها الفرعية. وقد يكون أول هذه المهام غير المكتملة، هو فهم تشكل تلك الجماعات، ومعرفة السياقات التاريخية التي نشأت فيها، ومنها تكونت أفكارها ووثائقها ومفهوماتها حيال الجماعات الأخرى، من جانب، وفكرة الدولة من جانب آخر.

غير بعيد عن ذلك، يحاول الباحث البحريني، عباس المرشد، أن يفحص العديد من الفرضيات في هذا الموضوع، وتحديدا من خلال نموذج الكويت، وجماعاتها الشيعية على وجه الخصوص. في كتابه الصادر هذا العام (الهوية الشيعية الكويتية وجدلية المواطنة) -عن مركز نهوض للدراسات والنشر-، يتناول المرشد موضوعات عديدة حول الهوية، والطائفية، والذاكرة الجماعية، والعلاقة بين الجماعات والدولة المركزية، وذلك من خلال النموذج الكويتي.

تهتم الدراسة الموسعة (٥٦٨ صفحة)، بتقصّي طبيعة نشوء الجماعات الشيعية في الكويت، في إطار التحولات العديدة التي شهدتها الدولة الخليجيّة المعروفة بأنها الأكثر تقدما من ناحية الحريات العامة، والأسبقية في بناء الدولة وإنجاز الدستور.

تشتغل الدراسة -من خلال ١١ فصلا- في الكيفيات التي تعمل عليها الفئات المجتمعية، وفي فترات تاريخية مختلفة؛ في تشكيل الذاكرة الجماعية، وعلى أي نحو يتم توظيف هذه الذاكرة في بناء الهويّات الفرعية، وذلك في مقابل أو سياق الهوية الوطنية.

تستفيد الدراسة من رمزية “سور الكويت“، ضمن الإطلالة على “المعضلة التي تطرحها الذاكرة التاريخية لبناء السور، وعلاقتها بتسويق المعنى الخاص للهوية الوطنية (..) فقد كان بناء السور لحماية المدينة من الأغراب ومن الآخر العدو الذي يستهدف الخيرات الخاصة بسكان المدينة. وهكذا تحول السور المادي إلى سردية رمزية تحكي قصة مجموعة أحداث تاريخية منتقاة بعناية وبرمزية مكثفة“.

من هذا المنظور، وبحسب الدراسة، فإن الكويت واجهت مشكلة ممتدة في توسيع مدى “الهوية الوطنية” لتكون هي التي تُمسك بزمام “الهويات الفرعية“، وهو ما يعني أن الإخفاق شمل “بناء مجتمع تعددي يحترم خصوصيات الآخرين، ويفرض عليهم قيود الانتماء المشترك، الذي يكون سوى الانتماء الوطني والإنساني، الأكثر فائدة من الانتماء الفرعي أو المذهبي“.

وفي حين تختص هذه الدراسة بالجماعات الشيعية في الكويت، فإنها تؤكد بأن الإخفاق المشار إليه طال “أغلب الجماعات التي يتشكل منها المجتمع في الكويت“، وهو ما يدعو إلى البحث المفصل عن أزمة العلاقة بين تلك “الجماعات وهوياتها الفرعية، وكيف بُنيت علاقاتها مع الهوية الوطنية“.

تختبر الدراسة العديد من الفرضيات التي ارتبطت بالجماعات الشيعية في الكويت، من قبيل نمط العلاقة التي جمعتها بالدولة المركزية، وتوجهات العنف التي سادت بعض هذه الجماعات في فترة الثمانينات من القرن العشرين “نتيجة لتضخم مدى الفرص السياسية العابرة للوطنية، مقابل انغلاق المجال السياسي في الكويت“، وكيف تم احتواء هذه التوجهات العنفية سريعا بعد الغزو العراقي للكويت.

لقد كان “ضعف الهوية الوطنية“، بحسب الدراسة، سببا في اقتراب الجماعات الشيعية بالكويت من الجماعات الأخرى، “من حيث الاحتماء بالهوية الفرعية.. أو عدم تكاملها في صيغة المواطنة الكاملة“.