بقلم: علي باقر|

قبيل احتجازه، قدّم الباحث البحريني جاسم آل عباس آخر محاضراته الثقافيّة، بتاريخ ٢٢ يناير ٢٠٢٠م، تحت عنوان “تاريخ المساجد القديمة في البحرين” (شاهد المحاضرة هنا). بعد احتجازه من قبل الجهات الأمنيّة؛ اختفى أثر مدوّنته الشهيرة، المعنيّة بتاريخ البحرين وآثارها، المعروفة باسم “سنوات الجريش“.

ما حصل، من قبل ومن بعد؛ شكّل صدمة بالنسبة لكثيرين، سواء في التوقيت أو في الظروف المحيطة بالتوقيف. حتى الآن ليس واضحا “السبب المباشر” لتوقيف الباحث المعروف على نطاق واسع، لكن المؤكد أن توقيف آل عباس يمثل “انتكاسة” جديدة في واقع حقوق الإنسان بالبحرين، وهذه المرة من ملف كان يُفترض أن يكون مشجعا على توسيع الأفق وتشجيع المعرفة، وليس العكس.

مهما يكن السبب “المباشر” لاحتجاز آل عباس، فإن الأسلوب الذي كان على الحكومة أن تقدمه للناس؛ هو احترامها لحق المعرفة، وتشجعيها على البحث التاريخي، وأن تثبت أنها لا ترى أن هناك مشكلة في الحرية الثقافية. فالموضوع هنا هو ثقافي بالدرجة الأولى، ويتصل مباشرة بالاجتهاد المعرفي وعمل التحقيق المجرد. في هذا الموضوع، من الطبيعي أن تكون هناك اجتهادات مختلفة، وأن كل باحث معني بالتنقيب عن الحقائق، والتحقيق في الوثائق، وهذا اللون من العمل العلمي له احترامه وخصوصيته، أو لابد أن يكون كذلك بالنسبة للجميع، بمعزل عن النتائج المتحصّلة من البحث والتحقيق، والتي يمكن أن تكون محلا للنقاش، والاختلاف العلمي. فهذا الأمر، فضلا عن كونه حقا أصيلا للإنسان، فهو جوهري للنهوض الفكري والتاريخي.

في هذه القضية؛ لا يوجد مكان مناسب للتدخل الأمني، مهما كان محتوى المعرفة أو النتيجة البحثية التي يتوصل لها الباحث والمحقق. ومن الغريب – وهذا جزء من أسباب الصدمة في خبر احتجاز الباحث آل عباس – أن البحرين معروفة بتاريخها العلمي العريق، وهي زاخرة بالعلماء والباحثين منذ مئات السنين، وكان واحدا من أسباب حيوية هذه البلاد هو أن أبناءها كانوا توّاقين للمعرفة والبحث، وسجّلوا قَدما وسبقا في مختلف مجالات العلوم، وصنعوا بذلك المكانة المعروفة عن البحرين على مستوى الخليج والمنطقة. فما الذي تغيّر؟

لاشك أن احتجاز آل عباس يكرس الاتجاه العام الذي يشكو من انحدار واقع حقوق الإنسان في البحرين. ومن المؤسف أن الحكومة تعزز هذا الاتجاه في كثير من الأحيان، وفي الأوقات الخاطئة أيضا. في الأسبوع الماضي، احتفل العالم باليوم الدولي للتعليم، وابتداء من هذا اليوم (الأول من فبراير)، يحتفل العالم بأسبوع الوئام الديني. ومن المفارقة، أن الباحث آل عباس اجتهد اجتهادات تكاد تكون غير مسبوقة، في توسيع نطاق المعرفة غير الرسمية، وهي جزء لا يتجزأ من العمل التعليمي، كما أنه أعطى جهودا كثيرة في إظهار التاريخ العريق للبحرين، بما هي أرض للتسامح والوئام الديني. فهل يكون جزاؤه الاحتجاز من قبل وزارة الداخلية؟

من المؤمل ألا يطول احتجاز آل عباس، ولكن انتهاء هذه المشكلة ينبغي أن يكون مصحوبا بإنهاء أصل الإشكالية. إن على الحكومة أن تستوعب معنى الاجتهاد البحثي، الذي قد يوقع صاحبه في أخطاء معينة أو يوصله إلى وجهات نظر قابلة للنقاش، ولكن ذلك لا يجب أبدا أن يكون سببا للتوقيف الأمني، لأن المعرفة والاجتهاد في البحث يُقابَل بمعرفة أخرى، وباجتهاد مواز، وليس بالاستدعاء إلى إدارة الجرائم بوزارة الداخلية.