إعداد: إدارة التحرير

  • تحميل ملف: المسار الزمني لقانون العقوبات البديلة: يناير ٢٠١٥-يناير٢٠٢٠م (من هنا)

 

في التسلسل الزمني، وفي طريقة التعاطي العام؛ يحرص النائب العام في البحرين على تقديم معلومات وأرقام وانطباعات يعرف الجميع أنها يمكن أن تُحدث فرقا في أكثر من اتجاه وجهة. من المقطع الزمني الأخير؛ عقد الدكتور علي بن فضل البوعينين يوم أمس، ١٥ يناير ٢٠٢٠م مؤتمرا صحفيا جديدا، استعرض فيه التقرير السنوي لأعمال النيابة العامة لعام ٢٠١٩م.

هناك أمور كثيرة في المؤتمر وفي محتوى التقرير، مما يستحق النقاش، ربطا بسياق زمني يمتد منذ العام ٢٠١٦ عل أقل تقدير، ولكن هناك نقاطا محددة من المناسب الوقوف عندها اليوم، وخصوصا مع بدء المراحل الأولى لتنفيذ قانون العقوبات البديلة، على أمل أن تكون هذه النقاط والملاحظات مادة للنقاش والرأي المتبادل، على المستوى الحكومي والأهلي، وذلك قبل الانتقال إلى مراحل أخرى من تنفيذ القانون، وهي مراحل يبدو أنها تتقاطع مع هواجس عديدة، فضلا عما يعتريها من التساؤلات والإشكالات التي تحتاج إلى إجابات ومداولات شافية.

١- المعلومات التي يقدمها النائب العام ستظل نسبية، وبحاجة إلى شروح إضافية، ومن غير المتاح التفاعل الكامل معها مادامت االجهات التنفيذية في السلطة القضائية جزء من منظومة تحتاج إلى أكثر من مراجعة جادة، وأكثر من عملية تصحيح متكامل. هذه مسألة لا يبدو أن هناك اختلافا عليها من أحد، سواء في الحكومة أو المعارضة. فالحاجة إلى إصلاح هياكل القضاء، وإعادة بناء وتنظيم وتطوير الأجهزة التنفيذية التي تتصل بالقضاء، هي حاجة ملموسة وقائمة، كما أنها أيضا حاجة شرطية، أي هي شرط لنجاح المنظومة في عملها، وتحقيق أهدافها، وهي الأهداف التي تتصل بالسياسات العامة للدولة. لهذا السبب، من الأفضل أن يكون حاضرا للجميع هذا السقف الإصلاحي، لأن الحديث عن خطوات تصحيح أو انفراجات معينة، ستكون محفوظة أكثر في حال جاءت في هذا السياق الإصلاحي الموسع.

٢- يجتهد النائب العام في الظهور بعدد من المناسبات، باعتباره يمثل الجهة التنفيذية المعنية بقانون العقوبات البديلة، وهذا توجه جيد ومحل اعتبار، ولعل ذلك يدفع الناس لتوقّع الخير والعدالة على نطاق مفتوح، ويعزز لديهم انتظار إنجاز مزيد من خطوات تعزيز الأمان والمواطنة المتساوية في البلاد. في هذا السياق، من الجدير بالذكر الاجتماع الموسع الذي عُقد الأسبوع الماضي، بحضور بعض الجمعيات الأهلية، لمناقشة تنفيذ قانون العقوبات البديلة. فكرة هذا الاجتماع جيدة من حيث المبدأ، ولكنها لا تزال بحاجة إلى توضيحات وشفافية مناسبة. الأسئلة التي تُطرح هنا هي:

  • هل الحكومة تريد من المنظمات الأهلية، فعلا، أن تشارك معها في تنفيذ قانون العقوبات البديلة؟ هل هي “إرادة” دائمة أم مؤقتة؟ وإلى أي مدى هي حدود هذه الشراكة؟ ما الصيغة (المبادئ) الأساسية المكتوبة لهذه الشراكة؟
  • هل يوجد استعداد للحكومة للانفتاح على كل المنظمات الأهلية، وبينها مؤسسات حقوقية ومدنية مستقلة، لكي تستقبل منها الأفكار والمقترحات الكفيلة بتنفيذ أوسع وأكثر عدالة لقانون العقوبات البديلة؟ هل ستكون أبواب الحكومة (مكتب تنفيذ العقوبات العامة في النيابة العامة مثلا) مفتوحة أمام هذه المؤسسات المستقلة؟
  • إلى أي مدى تستطيع الحكومة أن تتقدم أكثر في تنفيذ القانون المذكور، وباتجاه تحقيق الأهداف التي أعلنها المسؤولون؟

٣- هنا من اللازم أن نتذكر بعض هذه الأهداف المعلنة. في ٢٠ أبريل ٢٠١٩م، أعرب نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء عن تثمينه لتوجيهات ملك البلاد “بتعزيز إمكانيات التطبيق الفعال لقانون العقوبات والتدابير البديلة“، بما في ذلك “توفير البرامج التأهيلية التي تتناسب مع الظروف الشخصية للمحكوم عليهم“. وأكد البوعينين في هذا التصريح أن من بين أهداف القانون هو “إصلاح المحكومين لإعادة دمجهم مجتمعيا كأعضاء إيجابيين“. هذا يعني أن هناك التزاما من الحكومة، أولا، بتوفير إمكانيات تطبيق “فعّال” للقانون، وطرح برامج تأهيل تناسب مع ظروف المفرج عنهم، وبما يمهد الطريق إلى الاندماج في المجتمع والمساهمة الإيجابية فيه. هذا الالتزام الحكومي هو الأساس، ولا ينبغي أن تُرمى الكرة في ملعب المجتمع الأهلي، أو القطاع الخاص.

٤- على مدى الفترة الأخيرة، كان هناك تداول لافت، وأحيانا غير طبيعي، للأرقام والقوائم الخاصة بالمشمولين بقانون العقوبات البديلة. في لقائه الأخير، أعلن النائب العام عن أرقام أخيرة، وقال بأن مجموع المستفيدين من العقوبات البديلة خلال العام ٢٠١٩م هو (١٧١٣) على التفصيل التالي: (الرجال: ١٤٩٥)، (النساء: ١٣٧)، (صغار السن: ٨١).

من غير المعروف، حتى الآن، ما إذا كانت هذه الأرقام نهائية أيضا! لكن اللافت أن تعدد الأرقام، وتفاوتها بين فترة وأخرى؛ أظهرَ الأمر وكأن الحكومة كانت ترمي إلى قياس اتجاهات معينة من خلال تسريبات الأرقام، أو لعبة تداول الأرقام. وهذا الأداء الحكومي، وبمعزل عن القصد منه، من المفترض ألا يكون حاكما على آلية تنفيذ القانون، ووفق الأهداف المرجوة منه، وعلى رأسها الأهداف الإنسانية.

٥- قبل الانتقال إلى مرحلة “الكيف والنوع” في تنفيذ قانون العقوبات البديلة، فإن الحكومة تعتقد أنها بحاجة إلى توفير أجواء معينة، وهو ما يجعلها تدير “أعداد” المستفيدين بين فترة وأخرى، ولكن من غير أن تتحدث عن أرقام أو أعداد أو قوائم نهائية، بل هناك قوائم مفتوحة، إذا جاز التعبير. وهذا يفترض من الحكومة أن تراعي الاعتبارات التالية:

  • لا يمكن المضي قدما في تنفيذ القانون من غير شراكة حقيقية مع مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني. هذه الشراكة هي التي ستعين الحكومة في تعبئة القوائم، وضمان استمرارها بالمستوى المناسب، ومن ثم التمهيد من خلال هذه القوائم للدخول في مرحلة “النوع“، أي تجاوز الإشكالات الرسمية ليشمل القانون بعض الشخصيات والنشطاء، ممن تتحفظ الحكومة على الإفراج عنهم لأسباب مختلفة.
  • الانتقال إلى مرحلة “النوع” قد لا يكون مطروحا بشكل فعلي الآن على طاولة الحكومة، لأنها لا تريد أن تعطي أي طابع سياسي للإفراجات، ولكن لا أحد يختلف على أن ضرورة الإصلاح المصالحة ستكون ماثلة أمام الجميع، بتخطيط أم بغيره، وفي أي لحظة من اللحظات التي تصنعها أجواء الإفراجات. وهذا يدعو، من باب الاحتراز، إلى ألا يتخذ أي طرف موقفا سلبيا بشكل مسبق من موضوع الحوار والمصالحة، وإنْ كان من حق كل طرف البحث عن الظرف والآلية الملائمة لتبني هذا الموضوع والدفع به والترويج له والدفاع عنه أيضا.