في أقصى الوجوه، يعلو على جبينِ الرّاحل الشّيخ عبدالأمير الجمري (١٩٣٨-٢٠٠٦م) وجهُ المصالحةِ والتّسامح. ليس في ذلك أيّ اختزالٍ لعمامةٍ تجمّعت فيها تواريخ من النّضالِ والمعاناةِ والانحياز إلى خياراتِ النّاس. يمكن التقاط ملامح المرء من محطّاته الأولى، أو من تقاطعاتِ المنتصف. ولكن الأكثر أمانةً هو الوقوفُ عند المحطةِ الأخيرة. في محطّاته الأخيرة، كان الشّيخ الجمري مهموماً بإنهاءِ مواطن التّوتر، ومسبّبات التباعُد والكراهيّة. في البيتِ الدّاخلي، قادَ المصالحة مع الرّاحل الشّيخ سليمان المدنيّ، وقضى على تراكمٍ عصيبٍ بين تياريْن توغّلا في التنافر والتنابز خلال حقبة التسعينات. وفي البيت الوطنيّ، برزَ علامةً وضّاءة لفكّ الجميع من أوهامِ الغلبة ومواريث الاحتكار.

كان الجمريّ أيقونةً من العواطف. هذا ملمحٌ لصيقٌ، دائماً، بإنتاجِ التّصالح. في هذه البقعة، تنمو المحبّة والانجذابُ إلى النّاس. لم يكن التمثيلُ الرّمزي والّروحي الذي تجمّع في الجمري؛ منعزلاً عن مشاعره الجيّاشة تجاه هؤلاء النّاس. كانوا يشدّون الرّحالَ إليه بحثاً عن الحنوّ، وشغفاً بالأحضان المفتوحة. يفيضُ لهم فرحاً، كما تنهمرُ الدّموعُ منه حين ينالهم ضيقٌ أو تُبعده عنهم المسافات. هذا الاشتياقُ لم يجده الجمريّ عَيباً، أو خصلة لا تليق بالقادة. على هذا النّحو، كان يُطلقُ مشاعرَه، ويملأ صوته بقلوبِ النّاس المفعمةِ بالاشتياق المتبادل. حضرَ في جنائز الشّهداء، ورسمَ على صدورِ الضّحايا الصّبرَ والأملَ بالمستقبل. كان إحساسه بمعاناةِ النّاس، إحساساً بضرورةِ إنقاذهم بالنّور، والخروج بهم من هذه الدّوائر المظلمة. ما كان يتكسّبُ من هذه المعاناة – وقد ذاقَ طعمَها المرّ وأبناؤه – ولا انشغلَ بخطاباتِ التعبئةِ العمياء. أرادَ لهذه المعاناةِ أن تُثمر، وأن تتفتّحَ منها الأزهار، ولو بعد حين.

قيودُه في السّجن، محاكمته الصّوريّة، اغتياله المعنويّ، ومحاصرته داخل المنزل.. كلّ ذلك لم يفلح في شحنه بالانتقام الأسود، وما أخرجه مذعوراً من الإصلاح. كان الجمريّ خطيباً معروفاً على المنابر وفي المجالس. وتلك ميزةٌ لم تتلوّن، عنده، بالخيالِ والكلامِ الغارق في التنظيرات الفوقيّة. الإصلاحيّ النقيّ مدفوعٌ بالفعل، ومحكومٌ بالواقع، ومعياره ليس، أبداً، الصّراخ وإلهاب اللّحظةِ المؤقتة. بالنسبةِ لهذا النّوع من القادة؛ فإنّ الجدوى ليست إلا في العملِ الصّالح، والفعلِ النّافع. وهذا لا يُتاح له الولوج في عقول النّاسِ وقلوبهم إلا حين يأتي من أولئك المطبوعين بالتّواضع المرهف، والمحرّرين من التكلّفِ وبروتوكولات الوجاهة.

كان الجمريّ نموذجا في ذلك كلّه. ومن ذلك كلّه قادَ المصّالحة مع الحُكم، وفتحَ الطريق على المكوَّن السّنيّ الكريم، ومضى عزيزاً في نزْع البغضاءِ مع الأغيار وأصحاب الأيديولوجيات المختلفة. جمعَ في منزله الشيخَ المدنيّ ببقيّة قادة الشّيعة، وأصرَ أن يطوي خلافاً تسبّب في إذكاء فتنةٍ عشواء. هذه اليد الممدودة امتدّت إلى مناضلين وطنيين، وعبرت إلى داخل بيت جمعية الإصلاح، وأرسى هناك التلاقي الحميم مع الشّيخ عيسى بن محمد آل خليفة. في ذلك اللّقاء، بتاريخ مارس ٢٠٠١م، وضعَ الجمريّ قاعدة التّوازي بين مسار الإصلاح بين الشّعب، ومسار المصالحة مع الحُكم. شدّدَ على “التلاحم والحوار وردم الهوّة الوهميّة التي تفصل الأخ عن أخيه”، ورأى أنّ الطريق إلى ذلك هو “الأسلوب السّلمي.. الأسلوب النّاجح للوصول للأهداف المرسومة وإنْ تأخّرت الحلول”.

التأزّمات المريرة، التي تأتي من “تأخُّر الحلول”، لا ينبغي أن تكون مبرّراً لحرْق المراحل، وإزهاق العقل، والوقوع في الفوضى. أشادَ الجمريّ هذا البناء من يقينه أنْ “لا أحد له الحقّ في احتكار الحقيقة”، وأنّ الاجتهاد في سبيل إنقاذ الوطن، مفتوٌح للجميع، وكلٌّ على طريقته. أمّا إنجاز الإصلاح والمصالحة؛ فلا يكون بحسب الجمريّ “إلا بإعلان البرامج والخطط بصورةٍ علنيّة، تسمح للرأي الآخر بالاعتراض والنقد بحريّة تامة، بلا تهميش ولا إبعاد لجميع الأطراف”. فلا مصالحة من غير مكاشفة، ولا إصلاح من غير شفافية.

كان الجمريّ شيخَ الإصلاح، ورمزَ الحوار، ووجهاً أصيلاً من وجوه الكرامة والمصالحة. كان كذلك بالأمس حين يخرج بين النّاس، وهو كذلك أكثر اليوم وقد رحلَ إلى السّماء.