علي باقر

كاتب بحريني

 

ربّما يعرف الكثيرُ من أهلِ البحرين والوطن العربيّ منْ تكون وداد المسقطي. فهي اسمٌ معروف في تاريخ العمل النسائي بالبحرين والمنطقة، وكانت جزءا من التحوّلات المدنيّة التي شهدها التحرّكُ الأهليّ المعنيّ بالحقوق. ولكن، ربّما، لا يعرف الكثيرون أنّ هذا الرائدة في العمل النسائيّ؛ كانت على تقاطع إنسانيّ أكبر مع آلام النّاس، وعلى خطّ موازٍ لتقاطعها مع آمالهم. كانت لديها لمساتٌ لافتة – وسْط عملها العريض – في إيصال رسائل العقلِ، والحوار، مع جُهد غير معلن في إقناع الآخر بأنّ العنفَ، الرّمزي والماديّ، ليس إلا الوجه الآخر للخروجِ من الواقع والتّاريخ، وليس إلا زراعة لأزمةٍ تلو أخرى.

في المحطّات التي لا ينبغي أن تغيبَ عن الذاكرة، هي حقبة التّسعينات من القرن الماضي. كان للراحلة صوتها الواضح آنذاك في رفْض العنف الموجّه ضدّ الناس، وكذلك العنف المضاد. لم يكن هذا الرّفض بلا لونٍ، بل كان محفوفاً  بالدّعوة الواضحةِ إلى الحوار مع المعارضة، وأنْ يكون هذا الحوار “ديمقراطيّا وطنيّا”. تشكّلَ هذا الاهتمام عبر مشاركة المسقطي، مع قياداتٍ نسائية أخرى مثل الدكتور منيرة فخرو وحصة الخميري وجليلة السيدّ، في إصدار “العريضة النسائيّة المطلبيّة”، والتي دعت إلى تحقيق المطالب الشّعبيّة المرفوعة في تلك الفترة. كانت العريضة تُصوِّب باتجاه الاعتراض على سياسة العنف، جنباً إلى جنب الإلحاح على الدّخول في حوارٍ مُنتج مع المعارضة، وعلى قاعدةِ العمل على إنتاج حلّ سياسيّ للأزمة.

قد يكون للعَسف الذي رأته المسقطي، عليها وعلى زميلاتها في العريضة؛ الأثرُ العميق داخل نفسها. لا يقتصر الأمر على استدعائها والتّحقيق معها بسبب التوقيع على العريضة، ولكن أيضا في شعورها الإشكاليّ بالحاجةِ إلى أكثر من وسيلةٍ لتطويق سياسة القمع، ولإقناعِ الحُكم باللجوءِ إلى منطق الحوار. ربّما يعتقد البعضُ أن الرّاحلة – وحيث إنها اختارت العمل النسائي بتقاطعاته الرّسميّة – أعادت جزء من قراءتها لمفهوم الحريّة، أو أنّها جزّأت مشاعرها تجاه مضائق القهر المحيطة بحياةِ النّاس، والتي استمرّت فيما بعد، وحتى اليوم. ولكن المسقطي كانت بصددِ اجتهادٍ خاص، قابل للتداول والنقاش، ولم تكن أمام استعراضٍ فجّ لكاملٍ الحقيقة. لقد فعلت ما بوسعها، وأظهرت جهدها في المضيّ نحو القضيّة التي آمنت بها بشأن المرأة وحقوقها، وهي قطعت بذلك وفاءا مع نفسها، ورحلت وهي مطمئنة بأنّها قدّمت فيه الكثير.

في حفل التأبين الذي أقامته جمعية نهضة فتاة البحرين في ٣ ديسمبر الجاري؛ لم يكن مستغربا أن تحضرَ وجوهٌ عديدة، ومتعدّدة. رفيقاتُ الراحلة كنّ في الواجهة. وأيضا كان ناشطو حراك ١٤ فبراير، من الرّجال والنّساء، حاضرين في منصّة التأبين، وعلى مقاعد الحضور. شكّل هذا المشهد إحالة على روح الرّاحلة المليئة بالتواصل مع الجميع، والعطاء مع الجميع. كانت، للذكرى، تندفعُ لزيارةِ منْ يُطلق سراحهم من السّجون. يروي أحدهم كيف كانت تندفعُ لتمسحَ على الجراح، وتغرسَ شيئاً من التضامن والأملِ في الخلاص. كانت تفعل، في ذلك، أشياءَ بسيطةً، خارج كاميرات الإعلام، ولكنها كانت تُفشي جانباً من حزنها على حالِ النّساء المعتقلات، وتفعل ما تستطيع لنزْع القيود عنهن، تماماً كما هو تاريخها المعروف في نزْع قيود القوانين غير العدالة. خطواتها تلك، كان إخلاصاً لتاريخٍ عريق في الدّفاع عن المرأة، وفي بناءِ دولةٍ عادلةٍ للجميع. وهذا يكفي لأنْ تكون المسقطيّ اسما جديرا بالانتباه في دروس التصالح، والمصالحة، واجتهادات الحلول الذكيّة للخروج من الأزمات.