شذى حاجي
باحثة وناشطة حقوقية
_________________

ربّما كان الموقعُ الجغرافي للبحرين قبالة ساحل الخليج، ورغم صغر حجمها، مدعاة لجعْلها مساحةً للاختبارات الإستراتيجيّة المفتوحة. التقاريرُ التي تروي أحوالَ هذه الجزيرة الصّغيرة، تتحدّث عن “احتقان طائفيّ” جعلها في مهبّ متواصل من الأزمات. أخذ هذا المنحى صعوده الأبرز خلال السّنوات الأخيرة. في العادة، يتوقّف مراسلو الوكالات العالميّة عند طبيعة النّظام الملكي الحاكم في البحرين، مستعملين عبارةً وصفيّة مكرّرة، قد لا يتبنّاها مراقبون، بالإشارة إلى “هيمنة طائفة سنيّة على الحكم، في مقابل معارضة شيعيّة تمثل أغلبيّة المواطنين”.

لاشكّ أن هذا التّوصيف، برغم اعتماده على الجذر الطّائفي، إلا أنّه يؤشّر إلى المحفّزات السائدة التي تُفضي إلى إنتاج خطابات ممزوجة بالانتماء الطّائفي الحاد، بالتّوازي مع بُنية متجذّرة في مؤسّسات الدّولة تقومُ على هذا التّشطير العاموديّ. هذا التأثير انعكسَ، ولأسبابٍ مركّبة، على بنية المؤسّسة الأمنيّة والعسكريّة في البحرين، والتي خضعت لعمليّات ممنهجة من الاختيار الطائفيّ والتمييز على أساس المعتقد المذهبي، وانتهى الحال لأن يقتصر الانتساب لهذه المؤسّسة على عدد محدودٍ ومبرمح من الشّيعة، وخصوصا في المناصب والرّتب الرّفيعة. لم يقتصر هذا الإجراء على الأجهزة التابعة لوزارتي الدّاخليّة والدفاع، ولكن أيضاً المؤسّسات والهيئات المرتبطة بعموم المنظومة الأمنيّة ولواحقها، مثل النّيابة العامة والنّظام القضائي، التي فتحت الباب على الشّيعة مؤخرا، ولكن أيضاً ضمن برنامج دقيق لا يخلو من الهاجس الطائفي.

مع مرور التّجارب، وبتداخل الأحداثِ السياسيّة في البلاد؛ أصبحَ تشكيل المؤسّسة العسكريّة “مسألة معقدة”، وتعكسُ طبيعة الأزمة العميقة، والتي تُحيل في نهايةِ المطاف إلى غياب فكرة الوطن الجامع، والمواطنة المتساوية التي يتفيأ تحت ظلالها الجميع. هذه إشكاليّة أخذت بُعدها التدميري بعد أن دخلت معادلة “التجنيس” في ملفّات الأزمة، إضافة إلى التعصّب القبلي المحكوم بالولاء للحُكم. هذه المحدّدات كانت تعني، في النتيجة، تحجيم الشّيعة بشكلٍ هائل في المؤسّسة الأمنيّة، وإحكام السّيطرة عليها بما يحول دون سهولة اندماج عموم المواطنين فيها. لقد شكّل ذلك، بشكلٍ حاسم، سبباً سميكاً في تعطيل الحل المُستدام في البحرين.

طيْف هذه المعضلة وجده تقريرُ لجنة تقصي الحقائق (بسيوني) عندما أشار إلى أزمة ١٩٩٤م، والتي شهدت مطالبات داخل المجتمع الشّيعي، في حين تزايدَ الإحساس العام بوجود تمييزٍ طائفيّ متفاقم، والحرمان الممنهج من ممارسة الشّيعة لحقوقهم المدنيّة والسياسيّة، معزّزَا بنظام عميق من الامتيازت و”التنميط الطائفي” الذي أوجد بيئةً متشدّدة ضد الشّيعة داخل المؤسّسة الأمنية والعسكريّة، وهي بيئة “شيطنت” في المحصّلة حضورَ الشّيعة في أجهزة الأمن والعسكر، بعد وصفهم بنعوتٍ جارحة.

ويرى مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط POMED في دراسة تقييم تنفيذ توصيات تقرير بسيوني أن التوصية رقم 1722-e قد تم تنفيذها جزئيا فقط. وقد أشارت التوصية إلى وضْع برنامج لدمج جميع أفراد المجتمع المحلي في البحرين في قوات الأمن. وعلى الرغم من تعيين البعض من الشّيعة، إلا أن هناك أدلة قليلة تشير إلى اندماج حقيقي للمجتمع الشيعي في قوات الأمن. وبطريقة يصفها ناشطون بأنّها “تلفيقية”، فإن التعيينات كانت مقصورة على شرطة “خدمة المجتمع”، التي لا تمثل مستوى تنفيذيا مؤثرا في أجهزة الأمن، كما أن اللجوء إلى هذه التعيينات انطوى على محاولةٍ للهروبِ من تلبية الحاجة “الوطنيّة” للدّمج الحقيقي في قوات الأمن، والإيحاء بتنفيذ التوصيات والدعوات الدوليّة بهذا الخصوص، كما هو الحال مع تقارير الخارجيّة الأمريكيّة التي تكرّر هذه الدّعوة، ولكن من غير أن يكون لها استجابة فعليّة من الحكومة في البحرين.

بمعزل عن الجدال في التفاصيل المزعجة، فإن الحكومة مدعوَّة لأنْ تقدّم خطوة عمليّة في تذليل العقبات والصعوبات أمام إعادة هيكلة مؤسسات الجيش والأمن، وعلى قاعدة كسْر موانع بناء الثقة مع المواطنين، لأنّ عموم المجتمع لابد أن يشعرَ بأنه جزء أصيل من بنية الدّولة القائمة، وبالتالي الشّعور بالانتماء الوطنيّ، والتوطئة من ذلك لبناء المواطنة المتساوية القائمة على السّلام الدّاخلي والاستقرار. وتلك، ولاشك، الترجمة العمليّة لمشروع حلّ الأزمة في البحرين.