شذى حاجي
باحثة وناشطة حقوقية
_________________

احتفلت المؤسّسة الوطنيّة لحقوق الإنسان في البحرين، يوم الأربعاء 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019م، بالذّكرى العاشرة لإنشائها بقانونٍ صادر من ملك البلاد. وحرصت الحكومة على إضفاء أجواء احتفالية خاصة بالمناسبة، حضرها وزيرُ العدل ومسؤولون كبار، وعددٌ من النواب وأعضاء مجلس الشورى.

وقد صدرَ قانون رقم (٢٦) لسنة ٢٠١٤م بإنشاء هذه المؤسّسة، في سياق المحاولات الرّسميّة للردّ على التقارير الحقوقيّة التي تتّهم الحكومة بارتكابِ انتهاكاتٍ في مجال حقوق الإنسان. وبحسب القانون؛ فإنّ المؤسّسة تقدّم نفسها على أنّها تلبّي الحاجة “الملحّة” للتعامل “بمسؤولية مع قضايا حقوق الإنسان”، والعمل على تعزيز هذه القضايا وحمايتها في البحرين. كما أوضح القانون بأن المؤسّسة تعمل “بحريّة واستقلاليّة”، وأنّها تعتمد على مرجعيّة (مبادئ باريس) الأمميّة، وهي مبادئ معترف بها دوليّاً بشأن تشكيل المؤسّسات المحليّة لحقوق الإنسان، والصّلاحيات المنوطة بها والإجراءات المقرّرة لها.

كانت المؤسّسة منذ إنشائها محطّ جدلٍ واسع في الأوساط الحقوقيّة المحلية والدّولية. ويذهب ناشط حقوقيّ بحرينيّ إلى أنّ إنشاء المؤسّسة من قِبل الحكومة يأتي “في الاتجاه السّليم، وبالانسجام مع مطالب العهد الدولي الخاص للحقوق المدنيّة والسياسيّة، بعد مصادقة الحكومة عليه”. وفي الوقت الذي يفضّل هذا الاتجاه الحقوقي “التعاطي الإيجابي” مع المؤسّسة وأعمالها، ولكنه لا يغفل عن “المبرّرات الرسميّة” التي تقفُ وراء تأسيسها، وخصوصا في ظلّ الشّكوك التي تراود الناشطين والحقوقيين تجاه مؤسّسات الدّولة المعنيّة بأوضاع حقوق الإنسان، وهي شكوكٌ يرى أحد العاملين في المجال الحقوقيّ بأن “الممارسات الرسميّة المستمرّة عزّزت من هذه الشّكوك، وخاصة على صعيد عملها في مجال الرّصد وتلقي شكاوى الضّحايا والمتضرّرين”.

لم تنجح الحكومة في الترويج للمؤسّسة، رغم الجهود الكبيرة المبذولة في الدّعاية لها على المستوى الدّولي. وقد حصلت المؤسّسة على التصنيف الثّاني (ب)، ما يُتيح لها فقط العضويّة بصفة مراقب، ومن غير صلاحيّة التّصويت. وتعتبر جهاتٌ حقوقيّة هذا الموقف الأممي “دليلاً على عدم امتثالِ المؤسّسة بشكل كامل لمبادئ باريس”. حقوقيّون من داخل البلاد يعبرون عن تحفظ “شديد” تجاه المؤسّسة الوطنية، مستشهدين في ذلك بأدائها السّلبي تجاه ملف الانتهاكات المتواصلة في البحرين، ويعبّر أحدهم عن استيائه من المؤسسة بقوله “اتخذت المؤسسة موقف شاهد الزّور، ولم تمارس ضغوطا أو حتى وساطات جدية مع الحكومة لتحسين أوضاع حقوق الإنسان”، ورأى بأن المؤسّسة “أخفت حجمَ الانتهاكات في البحرين، وبينها الانتهاكات التي طالت مدافعين ونشطاء حقوقيين وسياسيين، بل إنها دافعت عن سياسات الحكومة، ووقفت معها وشككت في التقارير الدوليّة التي تحدثت عن تفشي الانتهاكات بالبلاد”.

يشير مختصون بالعمل المدنيّ إلى أنّ المؤسّسة الوطنيّة لحقوق الإنسان، تظلّ “عاجزة على إثبات استقلاليتها عن الجهاز التنفيذي في الدولة، لأن أعضاءها معيّنون، كما أنهم لا يمثلون التنوع والتمثيل العددي للمجتمع المدني في البحرين”، كما يتحدّث هؤلاء عن “فقدان المؤسّسة للشفافية على المستوى المالي والإداري”، مشيرين إلى أنها “لا تكشف عن أي معلومات بشأن مواردها أو إنفاقاتها”، وهو ما يتعارض مع مبدأ “كفالة النزاهة المالية” الذي تشدّد عليه المفوضيّة السامية لحقوق الإنسان. وتشير المصادر إلى أن المؤسّسة تستفيد من “التمويل الملكي فقط”.

تروي ناشطة وضحية تعذيب جانبا من “سوء عمل” المؤسسة الوطنية داخل أماكن الاحتجاز، وتوضّح بأن وفود المؤسّسة يجرون زياراتهم للسجون بالتنسيق مع السلطات التنفيذية والأمنيّة، وتضيف “لم تهتم هذه الوفود بتوفير أجواء آمنة وعادلة في مقابلة الضحايا داخل السجون، وتعمّدت نشْر تقارير منحازة لرواية القائمين على مراكز الاحتجاز”.

يقدّم مختصٌ في الملف الحقوقي رؤيته للمؤسسّة الوطنيّة ويقول بأن الأخيرة يمكنها أن “تقنع المجتمع الدولي باستقلاليتها، في حال أقدمت على إصلاح حقيقي، وأوجدت حلولا عملية للضّحايا”، ويرى بأن المؤسسة أضاعت فرصة “ثمينة” في كسب ثقة المواطنين والسجناء وأهاليهم لتكون “طرفا معزّزا لثقافة حقوق الإنسان، والمصالحة”. ويضيف “تسبّب أداء المؤسّسة في تحوّلها إلى واجهة دعائية لصالح الحكومة، وبالتالي لم تعد قادرة على إيجاد مناخ مناسب لمعالجة الأزمة الحقوقية في البحرين، وتلك هي أزمة بذاتها”.