شذى حاجي
باحثة وناشطة حقوقية
_________________

شاركَ عضو مجلس الشّيوخ الأميركي، السيناتور كريس ميرفي، في «مؤتمر حوار المنامة» الذي انعقدَ الجمعة 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، وتحدّث خلال المؤتمر عن سياسةِ الولايات المتحدة وعلاقات التّحالف في الشّرق الأوسط. والتقى ميرفي، خلال الزّيارة، بمسؤولين من دول المنطقة، وبينهم مسؤولين بحرينيين وأميركيين، كما زارَ مقرّ الأسطول الخامس للولايات المتحدة في منطقة الجفير. كان يمكن أن تُصبح هذه الزّيارة في حدودها العاديّة، لو أنّ ميرفي لم يزر منزل الحقوقي المعتقل نبيل رجب ويلتقي هناك بطيفٍ من وجوه المجتمع المدني والسياسيّ في البحرين.
بعد أيّام من الزّيارة، لم يصدر تعليق رسميّ من حكومة البحرين، وكان بعض المراقبين المحليين يعتقد أنّ هذا الصّمت الرّسمي ربّما يؤشّر على “تفّهم رسميّ” لما ذكره ميرفي للمسؤولين البحرينيين خلال اللقاء بهم، رغم أنّ المصادر الدبلوماسيّة أشارت إلى أن تعليقات المسؤولين على أحاديث ميرفي معهم لم تتجاوز حدود “النفي والإنكار”. تغيّرت الأجواءُ بعد مغادرة ميرفي البحرين، وانقضاء قرابة الأسبوع على زيارته لمنزل رجب، وخصوصا بعد أن وَضعَ ميرفي هذه الزيارة في إطار تأكيده على “أن تكون أميركا صوتا ثابتا للدّيمقراطية وحقوق الإنسان” بحسب بيان أصدره بعد الزيارة، وقال فيه أيضا “يجب أن تكون الدّعوة إلى حرية التعبير عنصراً من عناصر كلّ علاقة ثنائية، ولهذا السبب طرحت قضية (رجب)، إلى جانب الحاجة الأوسع لحماية الخطاب المدني المفتوح، مع المسؤولين الحكوميين البحرينيين الذين قابلتهم في المنامة”.
بعد هذا البيان، لوحظ أن هجوما “منسّقا” بدأ على ميرفي وعلى زيارته لرجب. بدأ ذلك بالانتقادِ العنيف الذي صدرَ عن محمد السيسي البوعينين، رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدّفاع والأمن الوطني في مجلس النواب البحريني. اتهمَ البوعينين ميرفي “بمحاولة بثّ الفتنة الطائفيّة” و”التدخّل في شأن سياسي داخلي”، كما اعتبرَ تحاشي ميرفي الانضمام لوفد الكونغرس الأمريكي الذي زارَ مجلسي الشوري والنواب؛ بأنه “يتعارض مع واجبات زيارته لدولةٍ ذات سيادة”.
وعلى التّوالي، أصدرَ عبدالعزيز العجمان، رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني بمجلس الشورى البحريني، بياناً ذهبَ فيه بعيدا إلى حدّ اتهام ميرفي بحضور “اجتماعات خاصة مع أشخاص يدعمون التطرّف والإرهاب والتحريض”.
ويبدو أنّ هناك توجّها داخل البحرين لتصعيد الهجوم على زيارة ميرفي وموقفه الرافض للانتهاكات في البلاد، حيث كتبت الصّحافية سوسن الشاعر، المقرّبة من الحكومة، مقالين في صحيفة “الوطن” الرسميّة، اعتمدت فيهما على التهكم من الزيارة، وبطّنت اتهامات مرسلة مكرورة إلى الناشط نبيل رجب، كما قالت إن الزيارة تعد “تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية”. وتلقّف الصحافي في الصحيفة نفسها، فيصل الشّيخ، الحملة على ميرفي، وكتبَ مقالا اتهم فيه الأخير بدعم الإرهاب.

من غير المعروف ما إذا كان مسلسل الهجوم على ميرفي سيتواصل، ليأخذ منحى آخر في التصعيد الرسمي، في تذكيرٍ بحادثة طرْد حكومة البحرين مساعد الخارجية الأمريكية، توم مالينوسكي في العام ٢٠١٤م بعد لقائه قادة من المعارضة آنذاك. علما أنّ السبب الأساس لاستهداف ميرفي كان سؤاله عن كيفية مساعدة الشّعب البحريني لتحسين “النظام” بما يتماشى مع حقوق الإنسان.
في الإجمال، فإنّ ردة الفعل تجاه ميرفي كانت سلبيّة، وعلى مستويين. على المستوى الرسمي (غير المعلن) وُوجه السيناتور الأمريكي من قبل مسؤولين كبار في الحكومة بسيْل من “النفي والإنكار لوجود أزمة في البحرين”، وعلى مستوى الشّخصيات البرلمانية الموالية للحكومة، والصحف الرّسمية، فإنّ الموقف كان سلسلةً من الاتهامات والهجمات التي تدور حول مزاعم مكرّرة من قبيل “التآمر على البحرين” و”التدخل في شؤونها الداخلية”، إضافة إلى تخوين المواطنين والناشطين الذين التقاهم ميرفي في بيت رجب.

وبالتالي، فإنّ زيارة ميرفي أخذت أبعاداً سلبية بالنسبة للموالين للحكومة، رغم أنها جاءت في سياق “تطبيق لمبدأ حرية التعبير”، والاستماع جميع أطراف الأزمة، ومحاولة استشراف أفق للخروج منها.
إضافةً إلى ذلك، فإنّ النأي عن الأهداف الحقيقيّة للزيارة، واللّجوء لاستعمال أسلوب السّخرية والإستفزاز اللّفظي من قبل أعضاء في مجلسي النواب والشورى؛ يُظهر مدى التخوّف الرّسمي من الموقف الأميركي، ومدى انعاكسه على حريّة التّعبير في البحرين. ولاشكّ أنّ هناك تلاقيا يشبه التقاطع بين محصلة تقارير الخارجية الأمريكية وما ذكره ميرفي؛ وهو ما يزيد من قلق الجهات الرسميّة، التي أوعزت بشنّ الهجوم على ميرفي.

وجدير بالإشارة إلى دراسةٍ سابقة أعدّها مركز البحرين للحوار والتسامح تحت عنوان: “مَواقِف الإدَراة الأميـركية حِيـالَ المَــلف الحقوقـي في البحرين“، أوضحت التّغيير الذي طرأ على الموقفِ الأميركي حيال ملف حقوق الإنسان في البحرين، منذ استلام الرّئيس دونالد ترامب للحكم. وهو ما يعني، بحسب محللين، أنّ الإقتراب من الإنتخابات الرّئاسيّة في الولايات المتحدة، ونزوع الحزب الديمقراطي الأميركي إلى تأييد مطالب تحسين الوضْع الحقوقي والسّياسي في البحرين؛ يُعدّ مدعاةً للخوف من جانب الحكومة، ما يفسّر الهجوم الذي تعرض له ميرفي على أكثر من صعيدٍ رسمي وموالٍ للحكومة.