علي باقر

أحسنَ معهد التنمية السّياسية في البحرين، في اختيار موضوع “المواطنة” للملتقى الذي عقده يوم الأربعاء، ٢٦ نوفمبر ٢٠١٩م. فالمطلوبُ في البحرين هو أن تتحرّك النخبُ وفعالياتُ المجتمع المدني من أجل المشاركة في بلورة مفهوم المواطنة، وتقديم الأفكار والمقترحات الرامية لبناء هويّة مواطنيّة جامعة، وخاصة في هذه المرحلة الحسّاسة التي تعاني فيها البحرين من الأزمات المتعدّدة.

إلا أن المعهد (التابع للحكومة) خيّبَ أملنا بشدّةٍ عندما غيّب شريحةً واسعة من المواطنين في البحرين عن الحضور والمشاركة في هذا الملتقى، مع احترامنا لجميع المشاركين فيه. وممّا يزيد الأسف والشّعور بالخيبة هو أن الملتقى كان برعاية الشيخ خالد بن عبدالله آل خليفة، نائب رئيس الوزراء، وهو ما يعني أن التركيبة الناقصة للمشاركين في الملتقى جرى برعايةٍ من مسؤولٍ كبير في البلاد.

الملتقى كان على ٤ جلسات، الجلسة الأولى بعنوان “المواطنة.. الأسرة والتعليم”، والجلسة الثانية تناولت موضوع الإعلام، والجلسة الثالثة كانت حول الشّباب والمواطنة، أما الجلسة الرّابعة فتناولت رسالة الفن الوطنيّة.

أعلن الملتقى أنّ أحد أهدافه هو “تسليط الضوء على مؤسسات المجتمع المدني” ودورها في تعزيز المواطنة. ولكن المفاجأة الصّادمة هو أنّ المشاركين في الملتقى لم يكن بينهم أيّ ومن الوجوه البارز أو المعروفة من الفاعلين في المجتمع المدني بالبحرين، والأكثر من ذلك هو أنّ كلّ المشاركين كانوا من الطائفة السنيّة الكريمة، ما عدا اسم واحد شيعي (إيمان مرهون) كان حاضرا في الملتقى، وبمهمة إدارة إحدى الجلسات. هل ثمّة تمييز وازدراء ضمنيّ أكثر من ذلك؟ (انظر تفاصيل الفعالية في موقع المعهد الإلكتروني: https://www.bipd.org/Events/C271119.aspx)

هل يمكن بناء دولة مواطنة متساوية بهذه الطّريقة التي تعزز العنصرية؟ لماذا تحتكرُ الحكومة لنفسها النقاشَ في موضوعٍ يعتبر الأساس لبناء الثقة مع المواطنين؟ لماذا تخشى الحكومة من الذّهاب إلى الطريق السّليمة نحو المصالحة الوطنيّة؟

السيناتور الأمريكي (الديمقراطي) كريس ميرفي، وخلال زيارته لمنزل الحقوقي المعتقل نبيل رجب، قال بأنّ المرشّحين الدّيمقراطيين للانتخابات الأمريكية المقبلة عام ٢٠٢٠م سيجدون أن “التعامل مع الشّيعة (في البحرين) مخز وبغيض”. ومن الواضح أنّ الأداء الرّسمي في البلاد – حتى الآن – يُعزّز هذا الاعتقاد المخيف، ولاسيما مع المحتوى الضعيف الذي تقوم به وزارة الداخلية عبر مشروعها في المواطنة والانتماء الوطني، وهو مشروع يتعارض مع مبادئ المساواة الدولية والتجارب العالمية العريقة التي أنهت الانقسامات الدّاخلية وهيأت السُّبل لبناء المواطنة الجامعة والمتساوية.

إنّ الاستمرار في هذا المنحى الخاطئ لن يمنح الحكومة المكاسب النافعة. والشجاعة الحقيقيّة اليوم هي الانفتاح على مكوّنات المجتمع كافة، واحترام هذه المكوّنات، وإشراكها في بناء وطن المساواة وإنجاز المصالحة الجامعة والمستدامة. وهذه الشّجاعة لن تجلبَ لأصحابها الاحترام والتقدير فحسب، بل إنهم سيكونون أبطالاً تاريخيين في مهمّة إخراج البلاد من أزماتها العميقة، وانتشالها من المنحدر الخطير الذي يتهدّد الجميع.