علي باقر

 

 

     هل هناك عيبٌ في أن توجه الحكومة أزمة ما؟ بالطبع لا.. الأزمات توجد في كلّ البلدان، ويستحيل أن توجد حكومة في العالم لا تعاني من أزمة هنا أو هناك. إنّ وجود الأزمة ليس أزمةً بذاتها، بل الأزمة هو عدم الاعتراف بوجود الأزمة.

     وحين يكون عدم الاعتراف بالأزمة مستمرا، في اللّيل والنّهار، في الدّاخل والخارج؛ فإننا نكون أمام “إنكار مزمن”.

 

     خلال اللقاءات الخاصة على جانب “حوار المنامة”، سأل الدبلوماسيون  والسياسيون الدوليون أسئلة عديدة عن إمكان الإفراج عن الحقوقي البارز نبيل رجب، وتقدّموا باستفساراتٍ حول أسباب استمرار الشّيخ علي سلمان بالسجن، وآلاف السجناء السياسيين، وحلّ صحيفة (الوسط)، والتضييق على المجتمع المدني، وتراجع الحقوق السياسيّة والمدنية، وحاجة البلاد للحوار ومشروع المصالحة الوطنية.. كلّ هذه الاستفسارات واجهها المسؤولون في الحكومة بالإنكار، والنفي. فإلى متى تنكرون؟

 

     إجاباتُ المسؤولين في البحرين على أسئلة ضيوف قمّة “حوار المنامة”؛ في أغلبها كانت تدور في هذه “الحلقة المفرغة”. انصدمَ الضيوفُ من مستوى “الإنكار” الذي ظهر به المسؤولون في البحرين، وتساءل بعضهم عن جدوى الاختباء وراء سياسة الإنكار العنيد، بعد أن أثبت الزّمنُ أنها بلا جدوى، وأنّ كلفتها باهظة على أمن الوطن واستقرار. 

 

     منذ عام ٢٠١١م وحتى اليوم، وحكومة البحرين تتّبع سياسة الإنكار الشّديد وعدم الاعتراف بوجود أزمةٍ في البلاد. ولكنها لم تجد منفعة في ذلك.

أنكرت هدمَ المساجد ودورَ العبادة، حتّى جاء تقرير “بسيوني” الشّهير وكشفَ الحقيقة المُرّة.

ادّعت الحكومة عدمَ وجود تعذيب، فكان للتقارير الدوليّة وتقارير الأمم المتحدة حديث آخر طويل ومليء بالوثائق والحقائق.

أنكر المسؤولون وجودَ سجناء رأي.. ثم أنكروا وجود أزمة في البلاد، وحينما سمعوا أسئلةً مغايرة من الأصدقاء والزّوار؛ اندفعوا أكثر في الإنكار المستميت، فقالوا بعدم الحاجة أصلاً للحوار والمصالحة، لأنّ البلاد لا توجد فيها أزمة أبدا!!

ولنا أن نتساءل أمام هذا الإنكار المزمن للحكومة:

– منْ يصدّق عدم وجود التمييز في البلاد؟

– هل يُعقل أن يصدّق الزّوار أنّ صحيفة (الوسط) لم يتم حلّها بضغطٍ من الحكومة، وأنّ الحلّ جاء بقرارٍ من مجلس إدارة الصحيفة؟

– ماذا يعني انعدام النشاط السّياسي داخل البلاد؟ ألا يوجد حقّا حظرٌ على التّجمع السّلمي؟!

– لماذا يخشى الناسُ والنشطاءُ أن يتحدثوا علناً لوسائل الإعلام وعبر منصّات التواصل الاجتماعي؟ ألا يوجد حقّا هبوط في الحريات العامة وتضييقٌ على الحريّات؟

– بأي معنى يُنكر المسؤولون العرقلة الممنهجة أمام زيارة المنظمات الحقوقيّة الدولية للبلاد؟ ما معنى الفتور الشّديد في العلاقةِ مع المفوضيّة السّامية لحقوق الإنسان للأمم المتحدة؟ كيف يمكن إنكار كلّ ذلك، وبلسانٍ عربيّ مبين؟!

– لماذا يُنكر المسؤولون عدم دقة ومصداقية التقارير الناقدة الصّادرة من وزارة الخارجيّة الأمريكيّة حول أوضاع حقوق الإنسان والحريّات الدّينية في البحرين؟ كيف نفهم هذا الإنكار “الجريء”، وكلّ العالم يعلم طبيعة العلاقة الوديّة بين البلدين؟!

     ربّما  نتفهّم السّبب وراء عدم الاعتراف بوقوع التعذيب، وعدم وجود التمييز، و.. وإنْ كنّا لا نقرّ ذلك، كما لا يمكن لأيّ جهة محايدة الإقرار به. ولكن أن يصل الأمر إلى حدّ “إنكار وجود أزمة، جملةً وتفصيلا”! فهذا الأمر الغريبُ العجيب الذي لا يصدّقه أحد، بمنْ فيهم أصدقاء الحكومة. فكيف يمكن أن يقتنع العالمُ بعدم وجود أزمة سياسيّة عميقة، في ظلّ وجود قرابة ٥٠٠٠ آلاف معتقل سياسيّ، كما تقول منظمات حقوقيّة؟!

     أليس الأفضل التحلّي بشجاعة الاعتراف بوجود أزمةٍ سياسيّة خانقة؟ تماماً مثل شجاعة الاعتراف بوجود أزمة ماليّة تهدّد الوضع المعيشي والاقتصادي للبلاد! هل هذا الإنكار يُراد منه تقطيع الوقت.. أم انتظار الوصول إلى الوضْع المأساوي الكامل؟! منْ لا يعرف أنّ الدولَ التي جاء منها ضيوفُ “حوار المنامة”، لديها مراكز أبحاث ومعلوماتٌ استخبارية دقيقة حول أزمة البحرين وتداعياتها الخطيرة؟ لماذا إذن يُصرّ المسؤولون على تقديم إجابات النفي والاستنكار التي “تستغبي” الجهات والشخصيات التي تسأل عن أحوال البحرين وأزماتها العديدة؟

 

     إنّ أول الخطوات الجادّة لإحلال الأمن والسّلام في البحرين، هو الاعترافُ بوجود أزمة فعليّة تعاني منها الحكومة والمواطنون على حدّ سواء. نعم، شتّان بين المبالغات الخطابية حول الأزمة، وبين إنكارها تماما. إنّ النفي والإنكار المزمن يضرّ الدولة، أولا وقبل كلّ شيء، وهذا ما لا ينبغي أن يكون إذا أراد الجميع أن تكون “دولة المواطنة المتساوية” هي الحاضنة وهي الملجأ الآمن والدائم.

     يقول المختص بإدارة الأزمات، المفكر الشهير (بايبر): “إنّ إنكار الأزمة هو انتهاء كامل لإمكانية التصدي لها، والتعرّف على أبعادها، وبالتالي إيجاد حلول وبدائل لاستيعاب نتائجها”. فمتى يعترفون؟